ذلك أن النزعات التبشيرية والاستشراقية .. تريد أن تُلبس الجاهلية الحاضرة لبوسًا حسنًا، مضخّمة ما كان لها من حسنات، متغاضية عمَّا عجّت به من مثالب، وقد طرب لذلك القوميون، وخصوصًا من العرب، فحرصوا على عرض الجاهلية العربية مبرّأة من كل عيب .. كما يبدو ذلك في دراسة التاريخ والأدب، وما سمي "المجتمع العربي" .. متجاهلين ما كان عليه العرب قبل الإسلام من فساد العقائد والأخلاق والأنظمة والتقاليد!
ورضي الله عن عمر الذي قال: "إنما تنقض عُرا الإسلام عُروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" .. وهذا بشرط ألاَّ يمسّ ذلك ما تميزت به أمة العرب، ولغة العرب، وأرض العرب .. من خصائص ومزايا رشحتها لحمل الرسالة الإسلامية الخالدة إلى الناس (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].
2 - ينبغي الاهتمام بحركات الإصلاح والتجديد في تاريخ الإسلام، وبرجال التجديد الذي يبعثهم الله بين حين وآخر ليجدِّدوا لأمة الإسلام أمر دينها، كعمر بن عبد العزيز، ونور الدين الشهيد، وصلاح الدين، والشافعي، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وحسن البنا .. وقد يكون المجدد فردًا أو جماعة أو مدرسة إصلاحية، يبرز بها اتجاه في الإصلاح له سماته وخصائصه.
3 - كما يجب الالتفات إلى دور الإسلام ورجاله وأثره في حركات المقاومة والتحرير التي ظهرت في العالم الإسلامي، منذ وطئت أرضه جيوش الاستعمار، فرغم المكر الصليبي، ومحاولات التخدير والتضليل .. لم يسلم الاستعمار من المقاومة الباسلة في كل بلد دخله، وأريقت الدماء، وسقط الشهداء تلو الشهداء .. ولم تزل المقاومة على مر الزمن حتى كان التحرير، وكان الإسلام وعلماؤه ودعاته وراء هذا الجهاد للاستعمار بريطانيًّا كان أو فرنسيًّا أو إيطاليًّا أو أسبانيًّا؛ كأمثال الشيخ ابن باديس في الجزائر، والشيخ عمر ا لمختار في ليبيا، والشيخ العربي الدرقاوي في المغرب، والشيخ عز الدين القسّام في فلسطين .. ومئات غيرهم، وقد شهد بذلك مؤرخون غربيّون مثل "برنارد لويس" في كتابه "الغرب والشرق الأوسط".
وعلى الداعية أن يحذر في المجال التاريخي من أمرين هامين:
أولا: أن يحذر الروايات التاريخية التي دُوّنت بلا تمحيص ولا تحقيق:
فليس كل ما تحويه كتب التاريخ صحيحًا تامًّا .. فكم حوت مراجع التاريخ من مبالغات وتشويهات وتحريفات تكذبها الحقائق الثابتة بالاستقراء أو بالموازنة بالأدلة الناصعة في مصادر أخرى؟!!
وكم لعبت الأهواء والعصبيات السياسية والدينية والمذهبية دورها في كتابة التاريخ وفي رواية وقائعه، وتلوين أحداثه، وتصوير أبطاله مدحًا أو ذمًّا، إيجابًا أو سلبًا! وخصوصًا إذا علمنا أن التاريخ يكتبه عادة المنتصرون الغالبون، والغلبة لها بريق وأضواء كثيرًا ما تعشَى أعين المؤرخين عن سوءات الغالبين، في حين تُضَخَّم أخطاء المغلوبين، وتطمس فضائلهم عن قصد أو غفلة.
وإذا نظرنا إلى تاريخنا الإسلامي الذي يتعلق بأمثل عصور الإسلام وأفضلها وهو تاريخ العصور الأولى التي شهد لها الرسول - صَلى الله عليه وسلم - بالخيرية، والتي انتشر فيها الإسلام في الآفاق، وانتشرت معه لغته وفقهه، واتّسع فيها تعلم