أوصى المهدى ابنه موسى الهادى قبل أن يموت بقتل الزنادقة، وكان الهادى قوى البأس شهمًا خبيرًا بالملك كريمًا. فجدَّ فى أمرهم، وقتل منهم الكثير.
على أن الأمور بينه وبين العلويين لم تكن على ما يرام كما كانت فى عهد أبيه، فقد عادت إلى التوتر بعد فترة السلام التى امتدت طوال فترة خلافة المهدي.
ويرجع السبب فى ذلك إلى عامل المهدى على المدينة، فقد ظلم بعض آل على -رضى الله عنه- مما جعل الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب يثور ويجتمع حوله كثيرون ويقصدون دار الإمارة، ويخرجون من فى السجون، ثم يخرج الحسين إلى مكة فيرسل له الهادى: "محمد بن سليمان" وتتلاقى جموعهم فى موقعة حاسمة قتل فيها "الحسين" وحمل رأسه إلى موسى الهادى.
ونجا من موقعة "الفخ" اثنان من العلويين، أحدهما: يحيى بن عبد الله بن الحسن، أما الثانى فهو أخوه إدريس بن عبد الله.
وقد ثار الأول فى عهد الرشيد فقتل أما الثانى وهو إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن فقد تمكن من إثارة أهل المغرب الأقصى (المملكة المغربية حاليّا) على العباسيين، حيث أسس هناك دولة الأدارسة.
وعلى الرغم من أن خلافة موسى الهادى كانت قصيرة فإن الفتوحات الإسلامية لم تتوقف مسيرتها؛ فقد غزا "معيوف بن يحيى" الروم ردّا على قيام الروم بغزو حِمْص "الحَدَث"، ولقد دخل معيوف بلاد الروم، وأصاب سبايا وأسارى وغنائم.
ولقى الهادى ربه سنة سبعين ومائة هجرية، وكان رحمه الله موصوفًا بالفصاحة، محبّا للأدب ذا هيبة ووقار، قيل عن الليلة التى مات فيها: هى ليلة مات فيها خليفة وجلس فيها خليفة، وولد خليفة. فالخليفة الذى مات فيها هو الهادى، والذى جلس فيها على سريره هو الرشيد، والذى ولد فيها هو المأمون.
-----------
خلافة هارون الرشيد
(170 - 193هـ/ 788 - 810م)
لقد سار الرشيد في إدارته على نهج قويم، وأعاد إلى الخلافة مجدها الذى كان لها على عهد جده المنصور، وما كان مسرفًا ولا بخيلا، وسمى الناس أيامه "أيام العروس" لنضارتها وكثرة خيرها وخصبها، وكانت دولته من أحسن الدول وأكثرها وقارًا ورونقًا وأوسعها مملكة، واتسعت الدولة الإسلامية فى عهد الرشيد، وجاءه الخير من كل مكان، وعين الرشيد يحيى بن خالد البرمكى، وجعله كبير وزرائه، وقال له: قد قلدتك أمر الدولة، وأخرجته من عنقى إليك، فاحكم فى ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى. وسلَّم إليه خاتم الخلافة.
إدارة حكيمة:
أما الولايات فقد فوضها إلى أمراء جعل لهم الولاية على جميع أهلها، ينظرون فى تدبير الجيوش والأحكام، يعينون القضاة والحكام، ويجْبُون الخراج، ويقبضون الصدقات، ويقلدون العمال فيها، ويحمون الدين، ويقيمون حدوده، ويؤمُّون الناس فى