تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

ولكنها قلما وجدته إلا لتعرف به حقيقة عارها، وإذا قدر للأعمى أن يبصر ساعة واحدة، ثم يرتد إلى ظلامه، فما أبصر، ولكن تضاعف له العمى!

المرأة الساقطة يائسة من البعولة،

27

وذلك عقاب حياتها، ثم هي لا تندفع إلا في الطريق التي تكرهها، وذلك عقاب نفسها؛ فالله أرحم من أن يزيدها بلاء الحب الذي هو عقاب شرفها وفضيلتها؛ فإن ابتليت فقليلا ما يتفق ذلك، حتى إن الساقطة العاشقة عشقا صحيحا، وتبقى ساقطة أندر وجودا من البغي التائبة توبة صحيحة، وتبقى بغيا. •••

يا عجبا لضمير المرأة يضل في ليل دامس من ذنوبها، ثم تلمع له دمعة طاهرة في عينيها، فتكون كنجمة القطب؛ يعرف بها كيف يتجه، وكيف يهتدي، وكيف كان ضلاله، وكأن الله ما سلط الدموع على النساء، وجعلها طبيعية فيهن إلا لتكون هذا الدموع ذريعة من ذرائع الإنسانية، تحفظ الرقة في مثال الرقة، كما جعل البحار في الأرض وسيلة من وسائل الحياة عليها

28

تحفظ الروح والنشاط لها.

ثم قلت: كانت المرأة نصف الإنسانية؛ فصارت ربعها.

قالت: وكيف؟

قلت: ألا ترينها انقسمت في هذه المدينة إلى قسمين متناقضين: الزوجة، وال ...

قالت: حسبك، خذ في غير هذا فقد أبثثتك ذات نفسي، وما ينفعك ولا ينفعني أن تنقض السور الذي أقمته حول حقيقتي؛ فإن كل قوى الكون عاجزة عن إرجاع ورقة واحدة انتثرت من زهرتها!

ثم وثبت إلى البيانة

29

فصدحت عليها بلحن من ألحانها كأن صرخة من ضميرها صاعدة إلى عرش الله في صوت الإنسانية الباكي!

ثم ابتسمت وسلمت، فانصرفت وكأني ما تكلمت ولا تكلمت، وبقيت الأقدار مكانها فما تأخرت، ولا تقدمت. •••

ليس على الهاوية أرض تغطيها، فهل تغطيها الفلسفة؟

وقد خسف بها قلبها في الأرض،

30

فهل تسويها الحجج والمعاذير؟

ولو كانت الحصباء فيها بين لؤلؤة، وزمردية، وياقوته، فهل من يدق عنقه في الهاوية ليموت على أرض من الجوهر؟

الهاوية في الطبيعة، والساقطة في الإنسانية: كلتاهما أرض كالمرأة، وامرأة كالأرض!

وكذلك يخلق الطيب والخبيث

ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض !

| هوامش

الفصل الخامس

| المنافق

وهذا فلان المنافق، لا يرى في الحب أكبر من باء تنافق للحاء، فهي تنزل عند تقديمها، وتتأخر للمتأخر،

1

كما ينحط الرجل العاشق عن رتبته، ويقدم على نفسه المرأة، وعنده أن هذا برهان طبيعي على أن الحب من غير نفاق هو حب من غير حب؛ فالنفاق هو الأصل، وحسبك به!

أعرف هذا الرجل كالحائط المبهم:

2

من أين جئته استغلق عليك، ورأيته ردما واحدا، فلا منفذ لك فيه إلا أن تكون قنبلة آدمية في القوة والشر؛ لأنه رجل المادة لا غيرها، وهو كالمرأة الغادرة: حبها الرجل كلمة على طرف لسانها، ولسانها عمل في طريق منفعته، وهو كاللص: حبه المال حاسة في يده، ويده على ما يملك الناس!

لونه في الحوادث ألوان، ودينه في المنافع أديان، ونفسه من الناس حشرة في إنسان، وإذا عرفته نظرت إليه كما ينظر المهموم لما جر عليه الهم، وإذا جهلته كان كالدواء المغشوش ذهب منه صواب العلاج، ووقع فيه خطأ السم!

والمنافق هو سياسي الحب والصداقة: يضع المنفعة بن عينيه، ثم تتوزع على جوارحه كل أساليب الكلام والحركة والعاطفة، لا مخرج لك من عقدته إلا أن يعقد هو بأسلوب، وتحل أنت بأسلوب آخر؛ وترى صداقته تنتهي أكثر ما ينتهي إلى مثل المقاطعة الحربية بين فراعنة السياسة، وشياطينها: يرمي الداهية منهم داهية آخر «بإنذار نهائي» حاسم، يحمل الزلازل في كلماته، وينصب للحساب ميزان الهوان والهلاك، ثم يقول له في آخره: «وإني أغتنم هذه الفرصة لأؤكد لكم احترامي الفائق»!

ولن تجد شرا من هذا الأسلوب ينتحله رجل إلا الأسلوب عينه تنتحله امرأة! ...

والله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت كالمنافق رجلا، إلا ذلك الواقف يدير وجهه بين مرائي عن يمينه وشماله، ومن ورائه، وبين يديه؛ فله في كل واحدة وجه، ويتعدد الرجل وهو شيء واحد.

السحاب الأحمر · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ١٨