تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: لقد فجر من الرجال من لا تحصيهم الملايين، فهل علمت أن فاجرا منهم حمل تسعة أشهر ووضع! ألا ترين أن الطبيعة جعلت لكل حكما، وهيأت لكل موضعا! وهل سواء في الطبيعة الألم وخطره، وعاقبته على الحياة أن يكون الدمل على ظاهر الجلد؛ حيث يتلذع على نفسه، ويرى ويحد، وأن يكون في باطن الجوف؛ حيث يخشى منه على غيره أكثر مما يخاف على موضعه؟

قالت: فكأن الرجل عندك أطهر فجورا ... من المرأة؟

قلت: بل هو هي في اللعنة والسقوط، والنعل أخت النعل ... واثنتاهما على طراق واحد،

22

ولكنه إن لم يكن أعقل من المرأة بفكره؛ فهي أعقل منه بحواسها، وإن يكن أقدر في قوته؛ فهي أقدر في عواطفها، وإن يكن في البلية عود الثقاب

23 ... فهي بعد الحريق كله! ولذا كان من الطبيعي أن تحاط المرأة في الاعتبار بالمعاني الاجتماعية الكبرى؛ إذ كانت هي الغرض الذي تمتثله القسي الرامية؛

24

فهي في معنى الكمال الأصل؛ لأنها الأمومة، وهي في العفة الأصل؛ لأنها الزوجية، وهي في الحياء الأصل؛ لأنها العرض، وكذلك هي الأصل في المعركة الجنسية؛ لأنها المقاومة والمدافعة للرجل، والأصل في الفضيلة الإنسانية؛ لأنها المنشأ والمربى للطفل، والأصل في الشرف الاجتماعي؛ لأنها المثال الأدبي للجميع ... ومن ثم كان سقوطها سقوطا لهذه المعاني كلها، فهو تهدم الأساس لا الحائط، وفساد الجذع لا الفرع، وعلة نفس الاجتماع لا علة جسمه.

هيهات هيهات، فلن تشعر المرأة الساقطة إلا شعور من فقدت نفسها التي كانت نفسها، وبدلت أخرى لا تلائمها؛ فهي أبدا هائمة وراء نفسها الأولى تبحث عنها، ولا تنساها؛ لأن ذلك الأصل الطبيعي لا يزال يناجيها في قلبها بلغة الأمومة، والزوجية، والحياء، والفضيلة، وما نفسها الشريفة إلا جواب هذه اللغة، وهي ليست فيها، فكأنها تحمل على حياتها أربع جرائم في جريمة؛ هي أشقى النساء، ترى في ذات عقلها الرهان العقلي على أنها امرأة ساقطة! •••

فتغررت عيناها بندى رقيق من الدمع، وقالت: لما كنت فتاة ...

فقطعت عليها الكلام وقلت: في تلك الفتاة كل البراهين فسليها، إنها هي نفسك الهاربة منك!

فوجمت هنيهة لهذه الكلمة، ثم انهملت عيناها انهمالا، وجاءها الدمع الطاهر يجري من أقصى الطفولة؛ فخالطني بثها وحزنها كأن دموعها تسقط على مواقع من نفسي!

فقلت: أتأذنين في كلمة؟

قالت: بل أسألك أن تتكلم، فإن مدامعي هذه عرضت لي كالمطرة السانحة في حميم القيظ من صميم الصيف على أرض مغبرة مقشعرة، تثور سخطا على كل قدم تطؤها؛ وإن فكري ليكلمني الساعة بلسانك كما يدوي الناقوس بصوته العالي الرنان بعد أن كان هذا الناقوس مختنقا في بما يطيف به من الضغط؛ فكان لا يدق إلا دقات مصمتة لا رنين فيها، كأنه ناقوس من الخشب!

آه! لقد كنت كالغدير الصافي: لا يعرف ماؤه إلا وجه السماء، وضوء القمرين، وأخيلة النجوم، وظلال الشجر والنبات، فأصبحت كالماء الذي كثرت واردته من البهائم؛ فهي تختبطه بأرجلها، وتضيف إلى وحوله وحولها، ولا تستعذبه إلا أن تغشي أعلاه بطبقة من أسفله،

25

وكلما تراءت صورها في كدورة الماء حسبت ذلك عشقا من الماء لصورها البهيمية، ولا تعلم أنه يلعنها بإظهار بهيميتها لأعينها لو أنها تعقل أو تعي!

أيحسبون أن قلب المرأة حين يشترى بالمال يكون أطهر من خرقة قذرة تتناولها يد أقذر منها؛ أو أثمن من فتات مائدة يترك لحيوان أعجم؟ ... ألا إن قلب المرأة لا يباع أبدا، وإنما هي حين تبيعهم: تبيعهم معدتها باسم القلب ... إنك إن لم تأخذ القلب هبة ممن تحب، فما أنت من حبها في (خذ)، ولكن في (هات) وأخواتها ...

يحسب الناس أنه لا تفرط امرأة في الحب ما تفرط المرأة الساقطة، وما علموا أنها لا تجد الرجل فتجد الحب! إنما الرجال في عين هذه المرأة رجال مصنوعون، فهي معهم امرأة مصنوعة يملك كل رجل إغضابها؛ لأن صناعتها إرضاء كل رجل، ولعل هذا من رحمة الله بها؛ فإن أكبر شقائها أن تجمع الأقدار بينها وبين رجل تحبه، وتستهيم به؛ إذ تألم لذلك ألما خاصا فيه تهكم الرذيلة والفضيلة معا. إن هذا الرجل هو البطل الفذ الذي يكون في قدرته أن يرجع لها ذلك العالم الذي اطرحها ونبذها، فهو عندها يغمر الناس أجمعين،

السحاب الأحمر · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

السحاب الأحمرص ١٧