علامة هذا الموت الصغير أن يقع كل شيء منك في غير موقعه حتى لو جاءك اليقين لانقلب شكا، ولو لمست الحقيقة لاستحالت شبهة، ثم تجد في أسباب الحياة ما يجد المريض في أصناف الطعام؛ لأن العلة المستقرة فيه تجعل في كل شيء له علة منها، وترى كل ما أنت ناظره يوسوس في نفسك بلغة ما ولمعنى ما حتى لا يترامى أمرك إلا إلى الوساوس والأباطيل كأن جماعة من الشياطين ارتجت في صدرك فلا يهدأ أبدا، وتحسب الأرض قد نبت بك وثقلت عليها كأنها لا تستطيع أن تحملك أنت واعتقادك الجديد ... وما اعتقادك هذا إلا أنك ترى الناس جميعا قد تغيروا فلا تصيب بينهم موضعا تكون نفسك فيه هي نفسك إلا ذلك الموضع الذي يضم من تهواها؛ أما سائر الأمكنة وأما سائر الناس فأنت منهم في رأي نفسك كالمصحف في بيت الزنديق الملحد، يظلم في كل شيء في الوضع وفي الاستعمال وفي الاعتقاد وحتى في النظر إليه ... وتستحيل فيهم بشخصك الواحد إلى اثنين معهما خيال شخص ثالث ... فلا ترى إلا أن نصفك يتحزن للنصف الآخر في كل ما تراه، وهذا النصف الآخر يكون في بلائه كالطائر الذي وقع من الجو بسهم فلما أحس الأرض جعل يهم ويدارك الضرب بجناحيه ويكد ويعنف على نفسه، ولكنه لا يطير؛ وكلما أراد أن يثب إلى السماء وجد آلتها فيه مختلة ترجف وتضطرب، ولكنها لا تعلو؛ وقصر جناحه فلصق بالأرض وجاءه الموت من كل مكان وما هو بميت.
تبغض العيش وتبغض الحياة وتبغض الناس؛ تبغض ثلاث مرات؛ لأنك أحببت مرة واحدة، وهذا كله إذا كانت من تحبها لا تدري بهواك أو كانت تدري ولكنها لا تستطيع أو كانت تستطيع ولكن ... آه يا عزيزي لا بد في لغة الحب من «لكن» إذا كانت المرأة تعرف لغة الحب.
يا ويلتا لقد انتبهت إلى أني أخاطبك كأنك أنت المبتلى ... فلعلك عاذري فإن هذه طبيعة النفس الحزينة تريد أن تكون مصائبها في سواها ولو على ورقة ... لم يبق مني إلا جزء قليل من شخصيتي القديمة أما أكثرها فضاع ضياعه أو أصبحت لا أملكه، ولكن هذا الجزء الباقي يفسح لي مذاهب النفس فأراني كأنما أستقبل السموات وأحويها في صدري، وأرى بعيني مجموعي الإنساني كله واضحا يتسامى، وأشعر أني عقل من هذه العقول التي تشرف على الدنيا وتعمل في نظامها.
ولا أثقل على نفسي من الناس فإن ظلالهم تهبط على قلبي المتألم بأشباح ممسوخة وأراهم على وتيرة واحدة في ثقل الروح وسواد الظل؛ ولا ذنب لهم غير أن وليا من أصفياء الله خرج يتوضأ يوما وقد أقبل الناس على وضوئهم فكشف الله عنه حجاب الحيوانية فنظر؛ فإذا لكل رجل وجه ولكل وجه سحنة حيوان ولكل حيوان معنى، وإذا شهوات أنفسهم قد مسختهم مسخا وفاءت ظلالها على وجوههم بجلود الحمير والبغال والقردة والخنازير وما دب ودرج، فاللهم غواثك لأهل النفوس.
6
وهذا الحب حاسة في الروح فهو ولا ريب يستثقل كل ما ينافره من الطبائع، طبائع هؤلاء الذين يترفقون للعيش
7
بأيديهم وأرجلهم وأبدانهم وقلوبهم وأنفسهم فيثيرون في كل سبيل غبار الحيوانية على كل قلب روحاني فلا يكونون عليه إلا ألما ومضضا وشدة من الشدة؛ وكثيرا ما يخيل إلي فيمن حولي ممن أخالطهم اضطرارا أنهم ثعالب أطلع عليهم برائحة الأسد الضاري.
أن عواطفي تغلي وتستفز في مثل المرجل من إرادتي العنيفة المصبوبة من فولاذ الكبرياء، ولست أخشى في هذا الحب إلا انفجار هذه الإرادة التي هي وعاء النفس فإنها إن تتفجر ذهبت قطعا مبعثرة على كل كسر منها كسر مني، فهل تنفجر يوما؟
ما أشد هذه الأيام الحادة، إنها كسلم نصبت لي درجاتها من سيوف مسنونة؛ في كل يوم جرح ينفجر بالدم، ولكل يوم عذاب وتقطيع في الجرح نفسه؛ لا راحة في الصعود ولا في الوقوف ولا في النزول، وكل يوم يقول لي حبها تعلق بيديك الممزعتين على حد هذا السيف، وضع قدميك الممزقتين على حد ذاك السيف؛ واصعد.