3
إلى حالته الأولى فانتبهت الطفولة فيه فعاد كالطفل، فإذا فجأه الحب في عين امرأة رأيته لا يبالي إلا ما عرف في عهده الأول من تحني المرأة عليه وانعطافها له، ورجع إلى «عصره النسائي» فترى الدنيا بما وسعت لا تعدل في عينه الصدر الجميل الذي يترامى عليه؛ وتموت المطامع فيه وترجع كلها إلى محصول واحد من ذلك الفم الذي يحبه، وتعود لغة الحياة عنده كلغتها الأولى في إشارة أو كلمة أو ابتسامة أو قبلة.
إن الطفولة تكبر فينا ولا ندري؛ ودع الناس يسمون حماقة الإنسان بما شاءوا فهي هي انتباه الطفولة فيه ومحاجزتها في ساعة من الساعات التي يجمح فيها العقل بين ذات نفسه وبين صفات نفسه. •••
لا يريد الهم منك أكثر من أن تريده فيأتي؛ وحتى لو زويت جلده وجهك
4
حكاية وتمثيلا لطلع مما بين عينيك فهو مقيم في أعصاب كل إنسان؛ لا يبرح الإنسان يؤدي إليه شيئا ويحمل منه شيئا يؤديه، بل هو نصف مكروبات الدم الإنساني ... ولذلك قالوا: إن القلب المبتهج يقتل من المكروبات أكثر مما يقتل أقوى المطهرات، وهم الحب هم على حدة؛ لأنه لا يكون فيك بل يتصل بك من أعصاب أخرى ودم آخر، وما أحسب أن ألحاظ المرأة الجميلة يكون فيها ذلك الفتور وذلك التكسر إلا بما تحمل من الأشعة المسمومة؛ تلك الأشعة التي متى وقعت في الدم الذي يقبلها ويتأثر لها طبعت في كل ذرة منه صورة من صورة تلك المرأة.
هذا هم الحب ولكن مجيئه هم آخر؛ لأنه يتهكم بالناس فلا يأتيهم بكنهه وحقيقته إلا في أسلوب الحظ والسعادة ثم لا يأتي إلا اتفاقا ومصادفة في ساعة ترتجف كأنها وقعت إلى هذا الزمن خطأ، أو كأنها تحس بما فيها من الجور والقتل، أو كأنها خلقت مرتجفة متزلزلة ليتأتى لها أن تزحزح الطبيعة الإنسانية وتطيش بها حتى في جبابرة العقول الذين رسخت طباعهم بجبال من الأخلاق الراسية تمنعها أن تميد أو تتزحزح، السرور والحب كلاهما يأتي اتفاقا؛ ولعلك لا تجد في كل ما عرفوا به السعادة أصح ولا أوفى من أن تقول: إن السعادة هي نفس هذا الاتفاق حين يتفق السرور أو الحب. •••
والجناح الكبير إنما خلق كبيرا ليأكل الأجنحة الصغيرة، ولما لقيتها كانت ألحاظها تقول لي بفصاحة أوضح من نور الصبح: أنت فريستي؛ وكانت ترفرف علي فأتنسم منها هواء يذهلني كما تذهل العصافير الصغيرة للجارح المنقض عليها، وتحولت أسرع مما أرادت بي وكنت ذا عزيمة قوية مضيئة كالنهار الذي يتغذى من دم الشمس؛ فما أسرع ما فتح هذا القمر باب سمائه وطلع علي من سحره بمثل ما يطلع قمر الأرض على الأرض فيبدلها من نهارها ذلك الصبح الرطب المريض الذي تتخايل فيه الظلال والنسمات حتى يأذن الله فتمحى آية الليل الأسود وتطوى آية القمر الأبيض.
كنت كذلك البطل الذي أكدى مرة في قتال خصمه ورجع كما يرجع الجبان فيعيروه فقال: والله ما كنت جبانا ولكني زاولت أمرا مؤجلا،
5
وتالله ما كنت ضعيفا ولكني دفعت قدرا معجلا لا يدفع. •••
وحاولت أيها العزيز أن أكتب إليك وأنا في هذا الموت فصنفت كلمات ثم خشيت أن أرتاد أحدا لسري فحفظته فيها وتركتها بين أوراقي؛ وكان قلبي يحدثني أنه يستروح من هذه الصحيفة رائحة صفحات كثيرة سأكتبها؛ وقلت: إنه حب أبيض لا ينبغي إلا أن يكون منسيا أو سرا مضمرا أو على الأقل شيئا غير ظاهر، أما الآن فإني مرسل إليك ما كتبت؛ ولتجدن هذه الأسطر وما فيها إلا قلب يتمزق ونفس مضعضعة وكأنما هي من بكاء أعصابي المتألمة، وإذا رأيت بلدا سال بها السيل أو مدينة جاش بها البحر فاعلم أن لهما ثالثا في معنى الخراب وهو العاشق الذي يغمره الدمع، وهاهي الرسالة:
أكتب إليك وأنا في حال هي من شدة الوضوح قد صارت في شدة الغموض وأية حال تظنها؟ سيذهب بك الظن إلى الموت فهو أخفى ما ظهر من أسرار الإنسانية، ولكن هناك موتا لا ينقل من الدنيا إلى الآخرة، بل من نصف الدنيا إلى نصفها الآخر ... وهو في أسرار الإنسانية عكس ذلك؛ لأنه أظهر ما خفي، وهو الحب.