تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: وإذن فلا ينبغي (للخيام) أن يسلط الخوف على رجائه ...؟ فتلألأ ثغرها ضحكا وقالت: «الخيام» إنما هو هذا الكتاب في هذا الجلد المذهب، قلت: فأنا أستنزل روحه إلينا فإن في هذه القوة فلا بد له من أن يجيء.

ثم أطرقت وجعلت ألمح ابتسامها حين أدوم عيني

13

يمنة ويسرة ثم انتبهت ورميتها بنظرة ارتاعت لها روعا ظاهرا وقلت: إن روح الخيام تجيش في منذ الساعة وهو يسألك هل تحبينه؟ قالت: بلى؛ ولكن على سائلنا أن نسأله، فماذا يرى هو في؟ قلت: إن كل ما احتساه من الخمر فكان لذته في الدنيا يراه الآن قد خلق جسما جميلا رائع الجمال فهو يسكر منه، ولكن سكر أهل الجنة في الجنة، قالت: أفلم ينس الخمر بعد؟ قال «الخيام» ... وهل الكتاب الذي في يدك إلا أسطر من شعاع الكئوس، قالت: والحبيبة الذي يذكرها فيه؟ فقال الخيام لو كانت مثلك لما ساغ لي أن أذكر معها الكأس، ولكني كنت أستجمع بها مناظر الجمال فإن الطبيعة تتزين لعين الشاعر إذا رأت معه امرأة جميلة كأنها تغار، قالت: إذن كان يريد الطبيعة لا الحبيبة، قال الخيام: بل أردت أن يكون موضع تأملي جميلا بالجمال وحبيبا بالحب، وتوخيت أن تكون فيه كل عناصر الهوى، أن المسجد لا يبنى في أي الأمكنة، بل يختار له المكان الذي فيه عنصر الصلاح والمنفعة، والمسجد نبات مغروس في تربة خاصة تجمع عناصر الصلاة والتسبيح والتهليل، والخيام نبات مغروس كذلك ولكن في الورود والرياحين والألحاظ وشعاع الخمر.

قالت: وهل يتقبل الخيام مني إذا سألته أبياتا جديدة، قال الخيام: لقد جئت بي إلى الأرض فإن لم تسوغيني طباع أهل الأرض في الحب والهوى والحنين لا أستطيع شيئا، وإن كان في وسعي أن أجعل كل شجرة في هذا المكان تنشد قصيدة خضراء بلغتها لا بلغتك.

قالت: بل أريد لغتنا فإني لا أفهم منطق الشجر.

قال الخيام: فهاتي الديوان، ثم جعل يزمزم زمزمة العجم

14

وقلب غلاف الديوان وكتب:

صب كأسا على الثرى فتراه

عاد قلبا يطير فيه احتراق

يتلوى بها ويهتز منها

إنه كان أكبدا تشتاق

ويح من أسكرت إذا تسكر الكأ

س ويا ويحهم إذا ما أفاقوا

تنسج النور والشعاع خيوطا

كل خيط للهم منه وثاق

وتريني السماء في سعة الصد

ر وصدري بشمسها

15

آفاق

أحتسيها كالفجر يعقب ليلا

أو كليل للفجر فيه انبثاق

هاتها فهي في فمي قبلات

واصطدام الكؤس منها عناق

وقرأت الأبيات وأنا أترجرج كأن في الكرسي زلزلة أو كأن في روحا يضطرب ويتقلقل؛ فما انتهيت إلى «القبلات والعناق» حتى انقلب الكرسي بي فاصطدمت بها ولم أقع ولكن ... آه ولكن وقع فمي على خدها.

وجعلنا (الخيام) كأسين في يديه فقرع كأسا بكأس ليسمع منهما في صوت القبلة رنة مسكرة ...

| الرسالة الثالثة عشرة

تلك ساعة لا تطلع علي ذكراها إلا طلوع الفجر في نور وألوان ونسيم وندى؛ فإذا أطرقت فيها وتمثلتها رأيت ذلك الفجر يمتد ويضطرم، وإذا الشمس قد بزغت منه تطوح بشعاعها من بعيد تحية للأرض وأهلها؛ ثم أمعن فيها فترتفع وينساح

1

ضوءها، وإذا بتلك الفاتنة قد طلعت لي من الشمس؛ وإذا نحن على تلك الطريق، وإذا المكان والزمان والسحر والجمال؛ وإذا نور وجهها قد نبع فيه الضوء الأحمر من لون الحياة؛ وإذا هي واقفة وعلى خدها القبلة الأولى.

لمست روحي روحها؛ ذلك هو معنى القبلة، ولكنها وقفت ذابلة يعرف فيها الحزن، وكان في صدرها التنهد وكان في لحظها معناه؛ أما لون التنهد فبقي على خدها.

يالله ما كانت إلا تمثالا يريني منها صورة الاطمئنان الخائف، وما كنت بإزائها إلا تمثالا آخر يريها مني صورة البراءة المتهمة، وكنت أقول لها منذ هنيهة إن الحب هو الخوف؛ فعلمت أن من الخوف أشياء لا شيئا واحدا كلها من نكد الحب: الخوف نفسه ثم رجاء ذهابه ثم خشية قدومه ثم خوف ليس فيك ولكنه في النفس التي تحبها؛ والإنسان حين يرجو الأقدار يشعر بها بعيدة عنه، ولكنه حين يخافها يراها قد خالطته وكأنما تعتلج في جنبيه وتعركه بكل أثقالها، ليس ما يخيفنا هو ما نخشاه في الحقيقة، إنما هو قوة خفية في الغيب تعتري القلب فتتناول منفذ الحياة منه فترسل فيه ما ترسل من الآلام الحكيمة كما ترى اللافظة من أنثى الطير حين تزق فرخها وعنقه المرن الغض ينتفض في منقارها؛ وهو يكاد يختنق من طريقة إطعامه الحياة؛ وكذلك نتناول من السماء حكمة الألم. •••

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ٣١