وترى الناس يستكفون
4
حول هذه البيوت الخضر، ولكنك إذا احتجرت في عريش منها وكنت منفردا أشعرك بكل المعاني أنك وحدك فلا تصلح للجلوس فيه؛ وتساقطت عليك ظلاله أرواحا عنيفة تطردك طردا ونالتك من كل ظل ثقلة
5
لا تحتمل كأنما تناجيك أن هذه الأشجار التي تشبه الضلوع ما غرست إلا لقلب وكبد ... وأن هذا البيت هو بيت الحب لا يتكنن
6
إلا عاشقين ... وهدتني قدماي يوما إلى ذلك الندي بعد أن ضربت ساعة في بياض تلك الأرض وسوادها
7
فملت إليه أريح فيه من الإعياء والحر؛ فإذا هو يهبط على نفسي بمعانيه، وإذا أنا من الطرب كبعض شجرة أميل وأصفر وأتغنى، وأدرت عيني فأبصرت في سرارة المكان
8
شجرات يدعونني فقمت إليهن وما هناك أحد غيري وغير الطير؛ فإذا غرس قد تسطح وآخر قد تفنن،
9
وثالث على ساقه كما تقيم الخيمة وتسدل عليها حجابا من هنا وحجابا من هناك، وإذا رائحة من نفح الحب وبقايا التنهد والتشاكي ما يكذبني الحس فيها أبدا فاستخفتني الأشواق، وجعلت قلبي المتلهف ينتفض في علائقه كما ينزو الفارس في السرج والجواد يخب به ويعدو. •••
ثم تكور النهار على الليل والليل على النهار
10
حتى أتت ساعة موعد لها بعد أن تقدمتها حاشية عريضة من المواعيد المكذوبة والمعاذير الملفقة، والكلام الذي لا تحل معانيه في ألفاظه أبدا ... لأنه لغة شفتيها.
وكنا نمشي وقد انتفخ النهار
11
وبدأت الهاجرة ترتجل «معانيها الذهبية» في مدح الظل والماء والنسيم؛ وقلق بنا ظهر الطريق لأمر ما فقالت وأبصرت الندي: نجوز إلى تلك الواحة، وتحفى بها المكان حين جاءته كأن أرواح الأشجار تعرفها، فهب النسيم الراكد يجري، وجعلت الأشجار يصفق بعضها لبعض حتى خيل إلي أن هذه ملكة الطبيعة دخلت إلى قصرها.
ومشيت إلى تلك العريشة بعينها فلما احتوتنا قلت: هذا مجلس السلام
12
في هذا البيت، قالت: وما باعث هذه الكلمة؟ قلت: إن كل شيء فيك ليتكلم من غير أن يضطرب به صوت، ولقد يكون من بعض خواطري وخواطرك ما أسمع منه في قلبي صوتا كصلصلة الدرع حين يقع عليها السيف، وإنك لا تدرين كيف أفهمك؟ قالت: فكيف؟ قلت: إني أفهمك سعادة أخشى منها وأخافها، فإن السعادة إن لم تتحقق لا تضر إلا في الحب؛ فشر أنواع السعادة فيه تلك التي لا تتحقق، قالت: فإذن أنت تخافني؟ قلت: ولكن ذلك ليس معناه أني أخافك بل معناه أني أرجوك.
قالت: وعلى هذا يكون لقولك إني أرجوك معنى آخر؟ قلت: بل معان عدة منها أني ... قالت: وماذا أفهم من أني؟ قلت: أليس فيها ياء المتكلم؟ فقالت: وأي شيء في ياء المتكلم؟ قلت: بربك لا تتعنتي أليس فيها المتكلم نفسه ...؟ فضحكت وقالت: ولكن ما معنى أنك ترجوني؟ قلت: إن النبات لا ينبت إلا حيث يجد عناصر غذائه، وروحي قد وجدت في جمالك كل عناصر الحب فنبتت فيها نبتة جديدة أخاف أن لا تتعهديها فتذوي؛ ومن هذا الخوف أرجوك.
وقلبي يخشى منك على ما فيه منك فإن لكل شخص ظلا، ولكن هواك نقل ظلك إلى قلبي كما تنقله آلة التصوير؛ فإن غضبت وتحولت مزق ظلك هذا القلب ليغضب ويتحول، ومن خوفي هذا أرجوك.
وكل شيء في عالم الموت يموت وينسى فإذا أنت نسيتني فهذا موتي عندك، وكل من يحب الحياة يخاف الموت فمن هذا الخوف أرجوك.
وكلماتي هذه تخاف أن تحمليها محمل الجرأة عليك فهي كذلك من الخوف ترجوك.
قالت: أفليس في الحب إلا الخوف؟ قلت: فيه الرجاء ولكنه هو الخوف بعينه، وللعرب خرافة جميلة في سلحفاة يسمونها «بنت طبق» فيزعمون أنها تبيض تسعا وتسعين بيضة كلها سلاحف وكلها بناتها وكلها من جنسها؛ ثم تبيض بيضة واحدة تنقف عن حية تأكل التسعة والتسعين كلها ... قالت: آه، قلت: وآه فلو كان لي في حبك تسعة وتسعون رجاء مائة إلا واحدا ثم خوف واحد لمحاها كلها، فاسترسلت في إطراقة جميلة، ثم قالت: لقد جئت معي بالنسخة الإنجليزية، من ديوان «عمر الخيام»؛ إن هذا الشاعر - ونظرت إلي باسمة - حبيب إلى قلبي وهو مني كالسعادة إن لم أطمع في نيلها لم أيأس من قربها ولا من الفكر فيها، كل قصيدة من قصائده تنشئ في حبا جديدا، ففي قلبي له أنواع كثيرة من الحب لا أدري ما هي، ولا ما الفرق بين نوع منها ونوع منها، ولكن كلها حب كلها حب، وهو نجم بعيد عني غير أني أراه ساطعا، وأعلم أن في قلبي دما يحن إليه، وفي هذا الدم ينغمس شعاعه الآتي من السماء؛ هو حيث يكون وحيث يكن فهو في قلبي.