تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما من أحد في الأرض يستقيم طبعه على الجمع بين هم الحب وهم الحياة، فإن قام بواحد زاغ من الآخر، لا يبالي به؛ إذ هما حقيقتان متدافعتان كتياري الكهرباء، لو أمكن شيء من المستحيل لما أمكن أن يطردا في سلك واحد أطرادهما في السلكين، فإن لم تكن محامل هذا الجسد

3

خفيفة على النفس من جهات الفكر والهم، وإلا انصبغ الذوق فالتبست ألوانه وخالط بعضها بعضا، وضعفت موهبة التمييز بين المعاني المضيئة، وصار الإنسان هما كافيا لنفسه وعادت النفس هما كافيا لصاحبها فليس بينهما على ذلك موضع لما ليس منهما، وتحول مادة ذلك الهم بغلظتها وجفائها بين السر المعشوق في الجمال والسر العاشق في الروح فلا يدرك منهما شيء شيئا.

فهذا الجمال إن شئت قدرة لا قوة فيها، وإن شئت قوة لا قدرة لها؛ ولو أن الله جعله مجموعا من القوة والقدرة معا لأبطل سنن الطبيعة الإنسانية، ولصار لكل إنسان كون وحده في القلب الذي يرف ليخفق على قلبه؛ ووطن على حياله في الجسم الذي يحن لينضم إلى جسمه؛ ودين على حدة يهبط الوحي فيه نظرات من عينين إلى عينين، وقانون مستقل لا تكون مواده إلا قبلات من شفتين على شفتين، واعلم أن أشقى المخلوقات هم أولئك التعساء الذين يشذون في تاريخ الناس أحيانا، وينفردون دونهم بجنون الحب كما حدثوا عن «مجنون ليلى»

4

إذ يتسلط عليهم الجمال بضرب ممتزج من القوة والقدرة يغمر الطاقة الإنسانية، ثم تجيء أقدار غريبة بين الرحمة والقسوة فتجذب الحب إلى الحب، ولكنها تدفع المحب عن الحبيب، فلا يزال الجمال يسوقهم سوقا عنيفا من ناره إلى باب جنته، ثم يردهم عن باب الجنة إلى النار حتى يصبح الواحد منهم بين العناصر والنواميس المنتظمة في هذا الكون الإنساني كأنه عنصر مجنون أو ناموس مختل. •••

إن هذا الإنسان وعاء من الأوعية لا يملؤه إلا الأفكار والنزعات، ومتى احتل الفكر وتمدد، ثم ضرب فتمكن، ثم غار بجذوره وانشعب بفروعه صبغ الأشياء كلها في عيني صاحبه بألوان منه حتى كأنه لا ينبعث في أشعة النظر إلا ليلبس كل ما تنظره العين، فلا يرى المرء فيما يرى إلا صورا من فكره كما تنبعث أخيله السيما

5

في أنوارها على حائطها؛ فإذا هو تاريخ وحكاية وعمل وحياة، وإذا هو هي على أنه حائط، ولم يخلق الله فيما أعرف غير الحب فكرا يتمكن من الإنسان ويضرب الضربات الثقيلة فيستطير في قلبه استطارة الصدع الشادخ في لوح الزجاج، يشقه على مد ما تتصل إليه حركته، ويثلمه على غير قاعدة من هنا وههنا، ويدعه فلولا تتشظى

6

وما هذا الحب إلا فكر الجمال وأثر عمله في النفس؛ إذ كان الجمال الفاتن لا يخلق على ذلك الأسلوب الذي هو عليه إلا ليستحوز على التخيل والحس معا؛ فهو نوع من جور الطبيعة على الإنسان يجيء من اتصال أحسن ما ظهر في شخص بأحسن ما كمن في شخص آخر؛ وهو كذلك نوع من استثارة هذه الطبيعة لكل ما في أعماق النفس الإنسانية ببعض ما في أعماقها هي، فالعاشق مقتتل

7

بأسلحة طبيعية منها كل نظرة من حبيبه وكل كلمة وكل حركة وكل ما مسه أو اتصل به منه؛ وذلك لأن قوة طبيعية عجيبة تنفثها رهبة الكون وتحصرها بين نفسه ونفس حبيبته لتجعل منهما طريقي سلبها وإيجابها؛ هذه القوة هي الفكر؛ هي ذلك الحب، هي الكهرباء المتألفة من نفسين، ومثل ذلك بعينه في الضرب على قلب الإنسان ما يتملك هذا القلب من هموم الدنيا وشدات مصائبها، كلا الفكرين قتل من الطبيعة غير أنها في أحدهما باسمة وفي الآخر عابسة، تقتل الإنسان بما يحب كما تقتله بما يكره، وهما طريقتان لا تسلك غيرهما إذا أرادت أن تنفذ بقدر من الأقدار الماحقة إلى باطن النفس لتترك هذا الإنسان المعذب يحس بغمز القوى الخفية على فؤاده.

| الرسالة الحادية عشرة

تقول أيها الصديق: «ألا زدني ثم زدني فإن ليلك الحزين قد تفجر لك بصبح من تلك الشمس، وإن قلمك ليجمع أشعة النجوم ويصور منها ذلك القمر، وإنك لأنت المحب الذي يخرج من جنونه العقل الكامل، ولئن كانت تلك الحبيبة قد اختلجت نفسها

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ٢٧