تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما نجد للكواكب في نظام السماء نعرف نحوا من ذلك لكواكب الجمال في نظام النفس، فليس كل ظريف جميل يجذب حسنه في كل دائرة على ما شاء وشاء الهوى، وإلا فسدت الأرض وأصبح الجنسان فيها كحجري الطاحون لا عمل للأعلى إلا أن يطحن على الأسفل ... بل إن لكل جميل فلكا لا تعدوه قوة جذبه فإذا هي تخطته إلى فلك غيره بطل عملها أو عملت على ضعف أو وقعت ثم موقع صوت القنبلة، يخرج منها وليس فيه شيء منها، ذلك بأن الله قد سلط على هذه الأرواح السماوية مواد مختلفة من ثقل الأرض لا تبرح تدافع تلك المادة من جاذبية السماء فإما أبطلتها وإما كسرت من حدتها وإما أضعفتها وإما طمست عليها؛ ما لم تكن النفسان العاشقة والمعشوقة من فلك واحد في القدر الجاري عليهما.

فلو أن أرق من غمز الحب على قلبه من الشعراء الذين يجعلون الكلمة الواحدة كلاما طويلا، يحدثك يوما عن تلك الجميلة التي كلف بها واختبلته بحبها

1

فأرسلته على وجهه في كل مذهب من مذاهب الهوى؛ ثم يتفتح لك في صفتها بكل ما تخيل حسه وأحس خياله فيفرغها في القالب الذي لم يخلق الله فيه امرأة قط، ويصبها لعينيك ممثلة من النور السماوي المحض تضيء كل قطرة منه وجه ملك من الملائكة، ثم يجري كلامه فيها شعرا خالدا مطردا كنهر الكوثر في رياض الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت، ثم يتفق لك بعد أن تراها وتجلس إليها وتطارحها ولست من فلكها الذي تعمل فيه جاذبيتها، إذن لرأيته قد غار من أوصافها في بئر من الكذب وتعلق في الحديث عن جمالها بخيوط من الباطل، ونزل من الحقيقة التي كان يذكرها لك منزلة المفلس يظل متسكعا فارغا يتبع نفسه هواها ويتمنى الأماني ولا حقيقة، ولرأيته كالعنكبوت تقضي الأيام الطويلة في نصب أشراكها وحبائلها لأجمل ظبية في عينها ... ثم لا تكون ظبيتها إلا ذبابة، وترد عليه سواد أمره وبياضه كذبا وزورا وتتهم ذوقه وتهجن طبعه وتتقي عليه أن يكون قد تخبطه مس من الشيطان؛ وأنت على ذلك مستيقن أنك تكلمه فيها بأصح لفظ وأوضح معنى وأصدق نصيحة، وأنك تلقي في أذنه براهين المنطق وحجج الفلاسفة، وتصحح له خطأه في رائحة الزهرة بالزهرة نفسها تقول له: ها هي ذه في رياها ونسيمها فأين ما زعمت لها؟ على أنه هو في كل ذلك لا يراك إلا كالأقطع الذي يقدر قياس الباع الطويل ببقايا ذراعيه، والمقعد الذي يضبط قياس الخطوة الفسيحة بمد رجليه؛ والأعمى الذي يفاضل بين لونين؛ ويكذب في رأيه ذا العينين، ويراك مجنونا فاسد العقل أو سخيفا فاسد الذوق أو أحمق فاسد الرأي: وما بك ولا به بأس غير أنك تنظر مدبرا وينظر مقبلا، وتهزأ بتيار البحر؛ لأن قدميك في الشاطئ ويرهبه هو؛ لأنه مندفع فيه منخلع القلب من فورانه وهديره، وأنت تروي فيما وصفت له بلسانك عن عينك عن هذه المرأة؛ وهو يروي فيما صور لك بالسند الطويل: بلسانه عن عينه عن خياله عن آماله عن قلبه عن روحه عن القدر المحتوم عن هذه الحبيبة، وأنت في نفسك كأنما تنظر من الأرض إلى النجم فلا تراه بعلم ولا يقين؛ وهو في نفسه إنما ينظر من فلك النجم إلى النجم ذاته فإذا الكوكب ما هو، وإذا فضاء واسع من النار وجو عميق من المغناطيس ومظهر من القدرة العظمى جماله في هيبته وهيبته في قوته وقوته في جماله، فهو شيء واحد بعضه من بعض. •••

وإذا رحم الله إنسانا من هذا الحب ومن التعلق بالجمال كدر طينته وأغلظ على نفسه بمواد ثقيلة من هموم الحياة وأكدار العيش؛ أو أفرط عليه بآمال النفس وأطماع الحاسة فيشغله بكل ذلك أو بعضه، ويحوطه منه بمثل أكياس الرمل التي يتحصن وراءها المقاتلة فلا تنفذها الطائرات الحمر،

2

بل تنطفئ فيها، ويجعل له من دون العيون الذابلة وألحاظها صدرا مصفحا بما يتساقط في داخله من جوانب نفسه، وما يتصدع من أركان قلبه بين الكمد والهم أو الأمل والطمع أو الجهد والتعب أو الثقل والغلظة أو غيرها من هزاهز العيش ودواهيه؛ فتذهب سطوة الجمال في سطوة المادة؛ وتخضع الإنسان قوة بإفلاته من قوة أخرى، ويهدم من أعلاه ليشد بناؤه من أسفله.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ٢٦