وهنا انتبهت «لويز» إلى زوجها المتهدم الذي هو همزة القطع، وإلى تصابيه المضحك وحماقته العمياء وحبه الأخرق؛ فانتفضت من الغيظ وكاد بعضها يحطم بعضا، وجعلت خواطرها تنبض في رأسها كلمح البرق، وأخذت تلتمس الوسيلة لرد هذا البلاء عنها أو مدافعته، بيد أنها كلما ابتدأت فكرا انتهى بها إلى قولها: ما عسى أن أصنع؟!
هي لا تفكر إلا فيما ينبغي أن تصنعه، ولكن الفكر يفضي بها إلى هذا السؤال بعينه، فكأنها من الهم والحيرة منعزلة عن نفسها، وقد نفر منها فكرها وقلبها وحظها جميعا، ولم يبق معها إلا روحها المعذبة، وهي كذلك بينها وبين زوجها وبين القدر!
ولبثت زمنا لا تجد من رأيها إلا قطعا وأشلاء، حتى لمحت من نافذة القصر مركبة تدرج في الطريق، ورأت سوط الحوذي يتلقى الأمر منه إلى الجوادين، فلا ينزل عليهما إلا انطلقا ملء العنان، كأنما يحاولان الهرب منه ولا يعلمان أنهما يهربان به؛ فرثت المسكينة للبهيمتين، ثم كأنما حشرت لها كل مركبة على الأرض في صعيد واحد، فلم تذكر أنها رأت قط سائقا ليس في يده سوط ما دام بين يديه حيوان!
وظلت واجمة عند هذا الخاطر هنية؛ لأنها ما برحت تتلقى من ضربات القدر وهي تعدو في الحياة عدوا فيه من السرعة بمقدار ما في هذه اللذعات من الألم! ثم قالت: ترى أي حيوان في مسلاخ
43
هذا الهرم؟ وما كذبت أن قلبت الخاطر على وجهه الآخر، فتناولت السوط، واستوت على مركبة الأقدار، ولم يبق أمام عينيها إلا سبيل الحياة وظهر الكونت!
وكذلك فاءت من غضبها إلى رضا أقبح من الغضب، ورأت أن هذا الشيخ المأفون الذي يتطاوع
44
للصبي وقد جاوز السبعين وهلك في الدهر، ثم لا يستحي أن يجعلها مثلة على أعين الناس، وأن يكون لها مخزية ولا كالمخزيات، جدير به أن يجد منها كفاء ما وجدت منه، وجدير بها أن تبدله من شهر العسل شهرا هو أحق به وأهله، وهو على ذلك أقرب الأشياء من العسل؛ لأنه ... «شهر النحل»!
قال «الشيخ علي»: هكذا يفسد الرجل المرأة وهو يدري أو لا يدري، فهو يبتغيها متاعا ويريدها ملهاة، ثم لا يقدر فيها غير الطاعة لما ابتغى وأراد، كأن الطينة الإلهية التي جبل منها الرجل شديدا متماسكا، بقيت منها بعده هنة ضعيفة فتركت حتى ركت وانسحقت، ثم خلقت منها المرأة ذليلة طائعة! وإن أقذر خلق الله ليكون معه الدرهم فاضلا عن حاجته، فلا يجد ما يمنعه أن يبتاع به الزهرة الناضرة، ولكن العجيب من أمره أنه إذا احتازها لا يلويها بين أصابعه ولا يدنيها من أنفه إلا بعيدا بعيدا وقليلا قليلا، بل إنه ليستحي لقذره من طهرها، ولنتنه من عطرها؛ فلا يحملها حتى يتجمل لها، ولا يظهر بها حتى يكون في الجمال أهلها، وما أدري كيف أدبته الطبيعة هذا الأدب مع شبه الجمال، ولا تؤدب مثل ذلك الهرم الأحمق مع الجمال نفسه؟
ويعمد الرجل متى أصاب مالا إلى الطيبات من صنوف الطعام وملذات الشراب، فيتضلع ويتملأ، وليس في ذلك من حرج؛ إذ هو ماله ينمو في باطنه، فإن ربح أو خسر فإنما «المضاربة» في معدته! ثم يعمد أقبح خلق الله وجها وأظلمهم سنة وأشأمهم طلعة، بذلك المال نفسه إلى أجمل النساء فيرخي عليها أستار بيته،
45
ويساهمها قبحه وجمالها، وإنما هي في رأيه بعض الطيبات، وصنف شهي من طعام القلب، فترى في أي جهة ينمو هذا المال الذي بذله وتندى به، فإني لا أرى له نموا في قلبه ولا في قلب تلك الحسناء؟
أما هو فما إن يزال يعرف منها البغض، وأما هي فما إن تزال ترى فيه القبح؛ وأحسب لو أنفقت ما في خزائن الأرض كلها على التأليف بين الحسن المبغض وبين القبح المحب، ما ألفت ذات بينها، ولا زدت كل واحد إلا من طبعه.
46
وكيف يرى هذا الدميم أن مرآة بيته التي اشتراها وبذل فيها واختارها على عينه، لا تظهره أبدا إلا دميما، وهو كلما بالغ في رونقها وصقلها بالغت هي في إظهار قبحه ودمامته، ثم يريد أن لا تراه امرأته الحسناء الفاتنة إلا جميلا فاتنا، ولا تكلمه إلا في الحب، ولا تقبله إلا قبلة الهوى كأنه هو الذي خلق لها عينين ولسانا وشفتين!