تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذه الأنفس إنما تشعر بمقدار ما فيها من الإحساس، لا بمقدار ما في الحقيقة من مادة الشعور. وكأي من رجل أبله متغفل يدور مع الآلام والأوجاع دوران الغبار في العاصفة، فإذا رأيته توجعت له وداخلتك الرقة عليه وثارت نفسك من أجله ثورة السخط على هذا الاجتماع الإنساني، وتمر بالرجل ثم تنساه، ولكن هناك طفلة، طفلة صغيرة قريبة العهد بالغيب

38

قد ضلت بيت أبويها في المدينة المترامية، فمشت ذليلة ضائعة يتحير الدمع في عينيها كما تتحير الألفاظ بين شفتيها، وقد ساورها الخوف، وتوثبت نفسها فزعا لهول ما هي فيه، وجعلت عيناها تتوسلان إلى الناس بالبكاء، ولسانها يتلجلج بألفاظ مرتعدة كأنما ينتفض عليهن قلبها الصغير، وهي في ذلك لا تبرح تتمثل أبويها فتضطرب اضطراب الفرخ إذا سقط من وكره ولم ينتهض، وترى أن المصيبة قد انحصرت فيها وحدها من دون الناس، فتبكي بكاء تكاد تنشق له، ثم تعود إلى التوسل بعينيها الدامعتين وبألفاظها المتلجلجة؛

39

فانظر وأنت أبو مثلها ما عسى أن ينزل بك من الحسرة ويتغشاك من الهم، إذا رنت إليك هذه الطفلة من وراء دموعها تسألك أن تدلها على بيت أبويها الماثل في رأسها الصغير، وهي تحاول بذلة ومسكنة أن تنقله إلى نفسك وتبنيه فيها بألفاظها وإشاراتها الضعيفة لتهتدي أنت إليه؟

فالمصيبة ليست مصيبة بمادتها، ولكن بما يقابل هذه المادة من نفوسنا؛ ومن ثم فهي لا تؤثر فينا بنفسها، ولكن بالكيفية التي نقابلها بها.

قال «الشيخ علي»: ثم سكنت «لويز» هنيهة لذكرى أيامها الأولى، وهي تعلم أن لا رجعى لها، فقد استيقنت أن هذا الغنى ضرب بينها وبين الفقر حجابا، ولكنه رفع بينها وبين الشقاء حجابا آخر، كان ذلك الفقر وحده هو الذي يمنعها منه؛ وكأن القدر لما اختط لها التعاسة، رسم هذه الخطة بقلم من ذهب!

واستشرفت نفسها لخاطر غريب ألم بها فأضحكها على ما بها من الهم؛ فقد أحضرت خيالها ذلك الحبيب الأول في شبابه الغض، وقوته الثائرة، وفورته العنيفة، ونشاطه المهزوز، وأرادته على حب امرأة في أرذل العمر - وهو عمر «الكونت» - يلوح وجهها في العين كما تلوح القفار، ويمتد أنفها بين الوجنتين كأنه جحر في أحجار، ويضحك ثغرها الأدرد

40

فلا تشك أنه في تلك الصحراء «غار»؛ وقد ثابرت عليها الأوجاع والأمراض، حتى أصبح جسمها بين يدي الموت كالخيط بين شقي المقراض!

ثم جعلت ذلك الحبيب يتزوج منها لمالها وغناها، وقد أصاب عندها ملء أطماعه ذهبا وفضة، ثم وصلت بين شعلة فؤاده الملتهب هوى وشبابا وبين هذا الجسم الفاني الذي يشبه حطام اليبيس،

41

ثم أرادته على أن يعتقد أنها «السكرة» التي وضعت في كأس حياته لتحليها، ثم نظرت لترى ما يكون من أمره وأمرها في الحب حين لا يكون الحب إلا مراغمة وإكراها؛ فإذا الحلم قد انهال، وإذا الوهم قد استحال، وإذا الشاب لا يحب تلك المرأة ولا في الخيال.

فجهدت أن تذكر في تاريخ الناس من يكون قد امتحن بمثل هذه المصيبة، وصبر لها كما يصبر من ذات نفسه على آفة أو عاهة أو مثلة، فأبى عليها الواقع أن يخرج لها مثالا واحدا!

فكدت ذهنها في تصور هذه الحال وتقليبها على وجوه مختلفة، فلم تستقم لها صورة صحيحة، وثبت عندها أن حب شاب قوي في الثلاثين لعجوز هالكة سبعين هلكة،

42

أمر يكاد يكون في استحالة الجمع، كطرح السبعين من الثلاثين في حساب العدد!

وعجبت أن يستأثر الرجل وحده بهذه الأنفة، ويلتمس لنفسه في هذا الباب ما ينكر على المرأة أن تستنكره، كأن هذه المرأة عجماء لا تبالي من صاحبها إلا العلف، ولو انتهى بها إلى التلف؛ وكأن كل امرأة إنما هي اسم على جسم؛ فليس على الرجل إلا أن يختار اسما ثم يثبته في وثيقة الزواج بعد أن يساوم عليه، أو كأن المرأة بلغت من الجفاء وضعف التمييز بحيث لا تأبى أن تتخذ أعواد فرشها من أعواد نعشها، وأن نقيم لها قبرا في البيت، وتنظر كل صباح في وجه ميت، وإلا فكم من فتاة كالقمر أخفاها نهار المشيب! وكم من عروس للحب زفت إلى غير حبيب! وكم من وجه صبيح يقبله ثغر قبيح! وكم من كعاب سال عليها اللعاب! وكم من حسن هو رمز الحياة قرن به الموت رمزه! وكم من قد أهيف كالألف لا يرى إلا شيخا أعجف كالهمزة!

كتاب المساكين · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ٥٤