فهم قوم مسخرون فرشهم الله أمرا من أمره،
5
ويسرهم لما خلقوا له، فضربهم بالحرص والطمع ضربة جبار لو نالت السموات والأرض والجبال لأشفقن منها، وجاءهم الحرص بهذا المال، أما الطمع فجاءهم بماذا؟ جاءهم يا بني، لو قلت بصدأ القلب وهرم النفس ودناءة الطبع، ولو قلت بكل ما في الحشرات من القذر، وبكل ما في السباع من الضراوة، وبكل ما في الدبابات من السموم؛ لكنت عسى أن أقارب الوصف، ولكن المعنى الذي يتلجلج في نفسي أكبر من ذلك كله.
غير أني أقول لك يا هذا: إن ثلاثة من المتجاورات يفسر بعضها بعضا؛ الحرص مع الطمع، ثم المال ورذائله، ثم ما في المعدة وما في الأمعاء.
أتحسب أن هذا العالم يحفل برجل من الأغنياء قد أجحف
6
به الدهر وطحنته النوائب بأرحائها، وجاءه بعد الدنيا المؤنثة يومه المذكر،
7
وتركته الأقدار أسود الحظ لا بيضاء ولا صفراء؟
8
فلم لا يعدون الغني شيئا دون المال، ويحسبونه كل شيء مع المال؟ لعل الحقيقة أيضا ذات وجهين في الناس!
هو المال، المال وحده لا غير؛ فنحن نحتاج إلى الغني صاحب المال كما نحتاج إلى بائع الملح! وما أشبهنا في إطرائه وفي الزلفى إليه بأطفال القرية إذ يتزلفون إلى بائع الحلواء التي تلف بالعصا، وإذ هو واقف بينهم بعصاه وحلوائه كأنه الهبل الأعلى،
9
وهو - من تعلم - دسم الثوب ترب اليد، قذر التفصيل والجملة، يصلح أن يكتب على وجهه «متحف الميكروبات المصري»، ولو رآه طبيب لجعل عصا الحلواء على رأسه تفاريق، ولكن أين لا أين الطبيب في هذا الاجتماع؟
كل أطباء الاجتماع ألسنة وأقلام ومحابر، أما اليد التي تزيل المنكر أو تغيره فلا أراها تمتد إلا من جانب الأفق، ولا تعمل إلا بعون من الله وملائكته، وقد انقضى عصر الأنبياء!
قال «الشيخ علي»: فإن لم يكن الغني إنسانه من الناس يواسيهم ويسعدهم، ويتخذ من المال سبيلا إلى أفئدتهم بالإحسان والمساعفة، ويأخذ لنفسه بقدر ما لها، ويعطي من نفسه بقدر ما عليها، وإن لم يكن وجهه مرآة للفقراء يبصرون فيها ابتسام الدهر على وجوهم العابسة، ولم يكن ذهبه عند دموع البائسين وعند أنفاس المحزونين، ولم يكن اسمه في دعوات المحتاجين وفي ألسنة الشاكرين؛ فقد أصبح عندي كأنه لا شخص له، بل هو شخص لعنة من لعنات الله والملائكة والناس نفخت فيها الروح، وهي اللعنة أي منقلب تنقلب.
ما أشبه المال أن يكون آلة من آلات القتل؛ فإنه يميت أكثر أصحابه موتا شرا من الموت - إلا من عصم الله - موتا يجعل أسماءهم كأنها قائمة على ألواح من العظام النخرة، ويرسلها كل يوم إلى السماء في لعنات لا عداد لها، ثم يثبتها في التاريخ آخرا لا بأعيانها ولكن بعددها، أو كما تثبت الحكومة في كل سنة عدد البهائم التي نفقت بالطاعون. فهذا الشخص الميت وهو بعد في الأحياء لا يبلغ في قدر نفسه على الحقيقة أكثر من مقدار حجمه من ... من ... من جيفة حمار!
يا بني، ربما كان الرجل نبات تعمة الله؛ لأنه سيكون حصاد نقمته، فهذه منزلة من البؤس والخذلان يستعاذ بالله منها، وكم رأينا من أناس تخصب أبدانهم حتى ليضيق بهم الجلد كدنة وسمنا، ويكاد أحدهم ينشق مرحا ونشاطا، ثم لا يكون هذا الخصب الذي استمتعوا به شطرا من العمر إلا سببا في أمراض مهلكة تستوفي الشطر الآخر، فذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون!
وإن خطأ كبيرا أن تقضي لفلان من «فلاناتك» بمتاع الدنيا؛ فإنك لا تدري أشر أريد به أم الخير، وكيف تحكم ويلك على غناه بفقرك، وعلى آماله بيأسك، وعلى شخصه بظلك، وعلى نهاره بليلك، وعلى عمره كله وهو بعد حي لم يوف عمره، ولا تدري ما عسى أن يكون له فيما بقي؟
ألا دعه حتى يستنفد أيامه المكتوبة ويستوفي أنفاسه المقدرة، فلعل مصيبته قادمة في الغيب، وكأن غناه من مقدماتها، وعلى قوة المقدمة تقاس قوة النتيجة؛ فإذا مات الغني ولم تعرف في جملة عمره هما ولا غما يعدل بؤس الفقر مهما اشتد الفقر، فكفى حينئذ بالموت من تلك الجملة! وإنما الحياة مدة ستنقضي، فسواء انقطع الخيط من أوله أو من وسطه أو من آخره، فقد انقطع!