تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء الطبيب كأنما أطلق في قنبلة مدفع ضخم، فأسرعت إليه وهي تقول: ابنتي ابنتي أيها الطبيب «مسكينة مسكينة»! ثم مرت أيام وبنتها مريضة وهي مريضة ببنتها، فكانت كلما نظرت إليها ملتهبة ذاوية تتخايل الموت فيها لم يجر الله على لسانها غير هذه الكلمات: آه يا ابنتي! «مسكينة مسكينة»! •••

قال «الشيخ علي»: وضرب الدهر من ضرباته، وخرجت الفتاة البائسة ذات يوم وكانت قد أصابت عملا، فتردم جانب من حالها؛ وبينا هي تمشي مطمئنة رفع لها شبح أسود في عرض الطريق، فجعلت تدانيه حتى حاذته؛ فإذا هي بسيدة الأمس وقد حال لونها، واستحال كونها، وعادت من الهم كأنها ظل منتصب في سواد، وظهرت من الحزن كأنها تمثال منصوب للحداد، وهي تلوح من الذلة والانكسار كأنما مات بعضها وبقي بعضها، وكأنما كانت حياتها من الأزهار، فذهب ربيعها وروضها، وبقي جذرها وأرضها!

فما تبينتها الفتاة ورأت ما نزل بها حتى نفرت دموعها حزنا، ثم رفعت عينيها إلى السماء وقالت: يا رباه! «مسكينة مسكينة»! ...

كذا يضع الإنسان الكلمة لمعاني الله فيكذبه بمعانيها، ويا رب كلمة ملفوظة وفيها لله كلمة غير ملفوظة! •••

اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير .

| هوامش

الفصل الخامس

| لؤم المال ووهم التعاسة

قال «الشيخ علي»: وأنت يا بني، ما إن تزال تصف الدنيا بلون لا أدري كيف أسميه، فلا هو من وجوه أهل الحسد فأقول أصفر، ولا من قلوب أهل البغض فأقول أسود، ولا من صدور أهل الدم

1

فأقول أحمر، ولا من شيء أعرفه؛ لأنه ليس شيئا يسمى، وعلم الله أن من يهوي في جهنم سبعين خريفا وعيناه تدوران في رأسه، لا يبصر من حيث ابتدأ إلى حيث ينتهي شرا من وجه دنياك!

إنك يا بني تصور الأرض لا أرضا ولا ماء بل قلوبا ودموعا، وتعرفها لا دولا ولا أمما بل آلاما وحوادث، فكأن هذه الأرض العظيمة تحتاج إلى وقدتين من قلبك ومن الشمس، وإلى نفحتين من خيالك ومن الفضاء، وإلى قدرين من حزنك ومن الأبد، ومن ثم فلا عجب يا بني إن كان مركز الثقل فيها على وهمين: على محورها،

2

وعلى ظهرك!

هيهات لقد أسرفت على نفسك الضعيفة، وجعلت هذه الحصاة الهينة تحت مطرقة الزمن، فما تزال رخوا منبعثا مسترسلا في اندقاق ولين، كأنك رجل من العجين، وكم تقول لي: «فلان» وجاهه العريض، ودهره المريض!

وانظر إلى «فلان» كيف جعله الكبر يذكر منا وينسى، وكيف أصبح من الغنى وأمسى!

و«فلان» كيف تمر من فرج أصابعه سفن الآمال، في تيار المال؛ كأن يده قنطرة على نهر الأقدار، أو جسر تعبره حظوظ السماء إلى أهل هذه الدار!

و«فلان» قبحه الله! كيف صار شيطانه في إنسانه، وطول عمره في لسانه، وكثرة ماله في قلة إحسانه!

و«فلان» أخزاه الله! فما بر ولا نفع، بل تفرق بالحرص على ما جمع، وطمع في كل شيء حتى في الطمع! «وفلان» الذي جمع وعدد،

3

وخلقه الله واحدا وهو في الرذائل يتعدد، وقد انتفخ كأنه شدق إسرافيل، وامتد كأنه يد عزرائيل، واستكبر كأنه فرعون على النيل! «وفلان» وما أدراك ما فلان؟ جبل شامخ والناس في سفحه رمال، ومجد باذخ ولا مجد لمن ليس له مال، وهو في أهل الغنى الألف والباء، وأن قيل في غيره «ابن نعمة» فهو في أهل النعمة أبو الآباء، على رأس عظيم كأنه ركن الكعبة الذي يتوجه عباد الغنى إليه، وقامة بائنة

4

كأنها لجاه صاحبها قطعة من المحور الذي تدور هذه الأرض عليه؛ وهناك أنف أما في السماء فله منزلة، وأما في الأرض فعطسته زلزلة، ينفض الناس من رهبته نفضا، ويفرش الوجوه من هيبته أرضا، وكأنه في تلك الكبرياء ميزان معلق يرفع من ناحية ويخفض من ناحية، بل كأنه في ذلك الوجه القفر جحر للنحس تختبئ فيه الداهية!

قال «الشيخ علي»: وما أنت يا بني وهذه «الفلانات» وأمثالها؟ إن هؤلاء الناس بعض أعمال الله في أرضه، فهو يخلقهم وينشئهم ويديرهم لتعلق طائفة من الأقدار بنتائج أعمالهم طردا وعكسا، فما أشبههم بدابة الطاحون؛ تلزم دائرتها ولا تفتأ تدور إلى غير انحراف، ثم هي لعلها حين تسمع ذلك الهزيز وتلك الجعجعة تحسبها من نشيد الاحتفال بها!

كتاب المساكين · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ٣٠