تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولله ابتسامك الذي ترتوي منه النفوس ويخلق منه الحب والخير، وأراه في كل زهرة تفوح، وفي كل نجم يلوح، وفي هذا القمر الذي يتصبى الروح كأنه طلعة حبيبة الروح؛ وأراه في غير ذلك من صفات الجمال التي تفيض عليها هذه النعمة السماوية لتنطق منها بأبلغ ما تفهمه النفوس من المعاني كما تنطق الحسناء حين تبتسم وهي لم تتكلم.

ولكن آه أيها القمر! إن لهذا الابتسام روحا هي الخالص النقي منه، بل الذي لا يقال في غيره خالص أو نقي، فإذا أردت أن تشهد روح الابتسام يتلألأ في غرتك فانظر إلى تلك التي لم تلبس من حريرك الأبيض غانية أجمل منها في ليلة من ليالي الحب، وتأمل بربك أيها القمر كيف تتحرك بروح الابتسام في شفتيها الرقيقتين حياة الهوى.

| الفصل السابع

ذلك ابتسام الطبيعة يا لؤلؤة ثغرها التي يسمونها القمر، وذلك جمالها الفتان الذي خلقت المرأة لتصفه وتدل عليه فلها بها الناس وسحرت أعينهم حتى لم ينظروا إليه وإليها إلا على أنه مخلوق ليصفها ويدل عليها؛ فتصغر الطبيعة ما تصغر عند بعضهم وتكبر ما تكبر عند الآخرين، ولا تكون في الحالين أصغر ولا أكبر من امرأة جميلة.

وأي أمر غمة

1

لا يتجه للرأي فيه كجمال المرأة الذي هو جنة الأرض ونارها، فمن أجله وجدت الديانات والشرائع والفضائل، ومن أجله وجد الخارجون عليها والفاسقون عنها؟

ومن المعضلات النفسية الممتنعة على الإنسان والوارثة منه

2

معرفة العاشق المستهام صحة الرأي فيما إذا كان الجمال دليلا على قوة الخالق أو دليلا على ضعف المخلوق.

ولو سألت تاريخ النفس الإنسانية عن كل أمر عسير مشكل ثم سألتها عما هي المرأة الجميلة، لأصبت لكل سؤال جوابا يحسن السكوت عليه ولو تسامحا، إلا جواب هذا السؤال؛ فإن المرأة الجميلة هي يفهمه كل إنسان منها بنفسه؛ لأن الجمال المتسلط بطبعه والحب الخاضع بطبعه، قد جعلاها في الطبيعة تعريف نفسها!

ولا شيء أقوى من الجمال والحب معا إلا دموع هذه الجميلة بمرأي محبها؛ فإن كل ما في الطبيعة الإنسانية من حنان ورضى وحب وعبادة وعقل وجنون ونحوها مما تكسوه ألفاظ اللسان بحروفها ونبضات القلب بمعانيها - لو ذاب لما قطرت منه إلا تلك الدموع التي تنحدر كأنها كلمات سلسة تفسر لعين العاشق معنى روحه تفسيرا صامتا تجري فيه أحيانا نظرات متفترة هي كل ما في تعبير الأرواح من البلاغة.

فليت شعر هل تستروح الطبيعة الجميلة كذلك إلى الدموع إذا كانت هذه الدموع من أقوى ما في طبيعة الجمال؟

هل تبكي الطبيعة أيها القمر فتكون أنت في ديباج السماء كأنك دمعة في منديل الطبيعة لم تجف بعد وقد بدأ فيها الجفاف.

3

أترى الطبيعة باكية وهي تلك التي ترسل بعض ضحكها دموعا تتندى بها أجفان العيون النجلاء التي تجعل الرجال العظام صغارا وهي عيون النساء والأطفال، لتبقى الطبيعة وحدها منفردة بالعظمة الرائعة التي لا يداخلها الغرور بها ولا تداخل الضحك منها؟

إني أرى الذين لا يعرفون جمال الطبيعة ولا يفقهون حديثها يتخيلونها أبدا باكية؛ لأنهم من لواعج الهموم بحيث صارت الدموع أسرع إلى أعينهم من الابتسام إلى أفواههم؛ وقد أبوا على العيون إلا أن تمتزج فيها الروح بالمادة فجعلوا أكثر عملها البكاء، إما بالدمع الذليل وإما باللحظ المستكين الذي يكاد يدمع من ذلته، أما الأفواه فحسبها من صناعة العيش في أكثر من تراهم في الأرض مضغ الطعام ومضغ الكلام، فهي قليلا ما تبتسم وكثيرا ما يكون الابتسام فيها شنعة فلا ترى إلا أفواهها قد جلعت

4

كأن القلب يتهيأ ليتفل منها على وجوه أولئك الأصدقاء الذين يدعون الصداقة بوجوههم الكاذبة!

وقد أحسب في أصل البكاء أن روح الإنسان لا تزال تتأذى أحيانا مما يطيف بها من أدران المادة حتى إذا أرادت أن تنحي ذلك عنها اغتسلت في باطنه بنور ينبجس لها من القلب ثم ينحدر عنها إلى العين فلا يخالط الجفن حتى تبتدر إليه الدموع فترسله وكأنه لما فيه من الحياة عاطفة قلبية أسرف عليها الهم في ضغطه فذابت؛ وقد يستطير ذلك النور في الابتسام فلا يذهب إلى العين بل يسترسل في طريق الدعاء والكلم الطيب من الفم ويكون في الشفاه معنى البكاء كما هو في الأجفان البكاء بمعناه!

حديث القمر · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حديث القمرص ٢٣