لتنطفئ الشمس إذن كلما رمدت عين إنسان ولينسدل الليل ثانية كلما أراد فاسق أن يتلصص في مشرق الضحى، ولينهمر الغيث كلما جفت لهاة من الظمأ في الصحراء، ولكن كل نهار على ما تشاؤه البلد الرعناء يطلع بالصباح عليها ربيعا، وينقلب في الظهيرة شتاء، ويحول في الأصيل خريفا، ويرجع في العشية صيفا، وإن انقرض الناس بهذه الحياة الذريعة كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها! ويحكم أيها القوم! ألا يمكن أن تكون أذواقكم سقيمة قبل أن يكون لكم هذا السقم في الطبيعة؟ وليت شعري ما أمركم والانحدار فإذا كنتم في الأسفل ثلجتم بذلك ورأيتم أنه لا أسفل منه؛ إذ ليس لكم بعده منحدر فجعلتموه في نفسه مرتقى، ولم ترفعوا أبصاركم إلى الأعلى لتستيقنوا أنكم في أسفل سافلين وأن سبيلكم الصعود لا ما أنتم فيه من أمركم!
ليس جمال الطبيعة إرادة ولا شهوة، وإن هذه الساعة الفلكية الكبرى (السماء) لا تقدم الوقت ولا تؤخره من أجلنا، فإنه لا ننتهي إليها من هذا العالم كله إلا الألحاظ؛ ولو اجتمع أهل الأرض في صعيد واحد وصوبوا ألحاظهم جميعا إلى ذرة من الهباء ما تحركت الذرة ولا قدمها ذلك ولا أخرها.
ومصادفات الأقدار المضطربة التي لا تأخذ من الناس في ناحية معينة بل تتاح للسعداء والأشقياء جميعا من عالم المجهول بسبب مجهول في وقت مجهول - إنما هي مصادفات في وهم ذلك الإنسان لا يريد أن يرتقب من الغيب حقيقة محزنة كما ينظر منه النعمة السابغة، وهي في ذاتها حقائق ثابتة تجري سواء على سنن مطرد؛ ولما كان الإنسان لا يرجوها إلا خائفا ويخاف منها إلا رجيا فهو بطبيعته يصبغها صبغة من الحزن ما دامت في غيبها حتى تقع؛ فلا يجعل هذا الإنسان وهمه قاعدة للحقيقة، ولا يرين أن حقائق الجمال الطبيعي مما يكون طباقا لأوهام كل نفس؛ فإن ذلك تغيير للنفس لا للطبيعة.
وعندي أنه لا فرق بين الملحد الكفور الذي لا يحب حقيقة الموت إلا موت الحقيقة فيظل في قياس وهمه عائشا ما عاش كأنه بدن ميت لا نفس فيه، وبين ذلك الجلف الذي لا يدرك أسرار الجمال الطبيعي فتظل هذه الطبيعة في قياس وهمه بالغة ما بلغت من الحسن كأنها دينار زائف جديد يعجب من رونقه ويعجب من كساده ...
الخادم يفزع من غضب سيده إذا صاح به الصيحة فيستطار لها، ولكن المطمئن المفكر إذا دارت في مسمعه هذه الصيحة أصغى منها لنغمة موسيقية تلبس معنى نفسيا خاصا لا جمال له إلا في الغضب؛ فاطمئن أيها الإنسان قبل أن تستطلع جمال الطبيعة وتأملها بالعين التي لم تستحل من فكرك المادي إلى ذاكرة فليس فيها إلا النظر البحت تصبه النفس من شعاعها؛ فإنك حينئذ تشهد الطبيعة كلها في نفسك على النحو الذي يريك هذه السماء كلها في النهر الصافي، وتحس من السرور والابتهاج والعظمة كأن هذا الفكر الإلهي الكبير الذي نسميه الطبيعة قد شملك أو اشتملت عليه فيوحي إليك أنك مخلوق لغرض أسمى من تلويث الأرض بفضلات أمعائك. ومناوأة الناس فيما لا حقيقة له إلا إيجاد هذه الفضلات وإخراجها، وإن كانت هذه الحقيقة القذرة من كثرة ما يسترها الإنسان به من الأسباب المختلفة كالفضلات نفسها في جوف هذا الجسم الحي.
حينئذ وقد فاض الجمال على نفسك ترى أنك أنت أصبحت قطعة من هذا الجمال، وأنه لم يكن يحول بينك وبين الاتحاد به إلا نفسك التي غيرتها أوهامك حتى لم تعد نفسا من صنعة الله بل من صنعتك وصنعة الحوادث، وحتى صارت كأنها كتلة شر تفضل الحيوان الأعجم بالحيلة العاقلة ويفضلها بالحول الطائل فيما عدا ذلك مما هو من طبع النفس الحيوانية.
فلولا النفوس التي تدرك قيمة الجمال ما وجدت على الأرض نفوس تدرك قيمة الخير؛ وهل هذا الخير إلا بعض جمال النفس؟
لله أنت أيتها الطبيعة الجميلة، ولله جمالك الفتان الذي يترك من حسنة بقية في كل عين تحدق إليه فتجعل كل شيء تصادفه جميلا، كما يثبت المرء عينه في ساطع من النور هنيهة ثم يلتفت يمنة ويسرة فإذا كل شيء فيه شعاع من ذلك النور.