تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لله منك أيتها الفئة الباغية! العلم الذي لا يخلق ذبابة ولا أحقر من ذبابة ولكنه يجدها فيتفلسف ويقول لنا: كيف خلقت؟ هو الذي يريدكم على أن تكذبوا بالخالق.

والعلم الذي ينتهي في كل شيء إلى حد من الجهل يريد أن يجعل جهلكم علما.

بل العلم الذي هو بجملته تفسير علمي لنظام الكون يريد أن يجعل القلب الذي هو سر الإنسان بلا نظام.

كلا إن العلم لا يريد ذلك ولا العلماء أرادوه، ولكن قوما أرادوا أن يشاركوا الله في أنفسهم فعملوا على أن يضعفوا قلوبهم لتقوى عقولهم، وحسبوا أنهم أفلحوا وما دروا أن القوة انصرفت عن القلب والعقل معا وصارت قوة علمية كالقوة التي في كتب المنطق لا تقوم لأضعف ما في الباطل وهي أسطر وحروف ولا يقوم لها أقوى ما في الحق وهي أغراض وأهواء، فما يزال الباطل لها وعليها.

وقد زعموا أنهم أنشطوا الفكر من عقاله فكان من ذلك ما انتهوا إليه، وكأنهم يقولون: الدين الفلسفي هو في الحقيقة الرجل الحر فما بالهم إذن ينسون أن هذه الكلمة عينها تخرج لهم لو عقلوا أن الحرية هي في الحقيقة فلسفة الدين؟

إن المتوحشين يقرون بإله ولكنهم يعملون على أن يكونوا آلهته كما أنه إلههم، ويحاولون في كل شيء أن يتعبدوه بما يخيل لهم أنه من السحر؛ والملحدون لا يبتغون ذلك فحسب

1

ولكنهم يريدون أن يمحوه بتة؛ أفليس هذا منتهى التوحش في القياس؟

ليت القوم لم يكفروا بالنطق فيما لا يعرفون فقد كانوا يؤمنون بالصمت، وإن السكوت عن الخوض في أمر الغيب ليكاد يكون أفضل بحث فيه؛ على أننا نرى الكلام

2

أصل البلاء، فإن من أهل الأديان من هم شر عليها من الكافرين بها وسواء على الله أكان فاسد الفكر صاحب رأي في الدين أم صاحب رأي في الإلحاد.

ولو نظرت إلى فرق الجدليين المختلفة على كثرتها وتعدد مذاهبها لرأيت أن كل فرقة هي في الحقيقة عقل رجل ذكي - استهوى أصحاب فرقته - لا دين رجل عاقل؛ لأن الدين لا يتجزأ؛ إذ هو عبادة القلب - الذي لا يدل على وحدانية الله شيء مثله - لله الواحد الذي ليس كمثله شيء؛ ولكن العقل لا يترك هذا القلب لنفسه، بل يعده بما فيه من الحس والشعور كأنه رأس ماله في التجارة العلمية، وكثيرا ما يكون أمرهما كالتاجر الذي يخسر ماله ثم يعمد إلى ضبط حسابه بعد خسارته فلا يرد عليه الحساب شيئا إلا تفصيل ما خسره بما يشبه في التحسر واللهفة أن يكون خسارة ثانية!

الفرق بعيد بين أن تكون القوة آتية للقلب من العقل، وبين أن تكون آتية للعقل من القلب، فإن تسلط أحدهما على الآخر يضعف أكثر خواصه، فالعقل موضع الخطأ والصواب؛ لأنه آلتهما جميعا، وأظهر خواصه الشك؛ لأنه الخاصية التي يمكن في العقل أن توفق بين الخطأ والصواب قبل أن يتزايل إثناهما فيتباينا؛ وهذه الصناعة العقلية كثيرا ما يقتضى لها إيجاد المعضلات التي لا تحل كي تلقي للعقل شغلا طويلا ثم يحكم عليها آخر الأمر حكما منطقيا أنها لا تحل ... وكثيرا ما تطلب البرهان على شيء ما فإذا أصابته (أي: البرهان) جعلته شيئا آخر وطلبت عليه برهانا ... وهلم جرا حتى يقطع بها فتصل إلى ما لا برهان عليه.

والخطيئة إنما تكون في العقل بديا، فتخلق فكرا، ثم تنحدر مع القوة إلى القلب كأنها قوة له، ثم تقع وتتمثل وفيها سخط القلب ورضى العقل غالبا أو رضاهما معا في القليل النادر؛ وهذا السخط القلبي هو الذي يترك في الرأس أثرا من ذكراها، وهو الذي يسميه بعض الناس ندما، ويسميه بعضهم صوت الضمير.

ذلك أمر العقل، أما القلب فهو موضع الحقيقة السماوية التي تظهر بين الناس في هيئاتها فيسمونها المحبة، وبين الملائكة فيسمونها الإنسانية، وعند الله فيسميها الإيمان، وما كان في القلب غير ذلك فهو من تسلط العقل واستبداده.

وأنت لا ترى أسعد الناس وأهنأهم بسعادته إلا ذلك الذي يجمع قلبه وعقله أن لا يصدر أحدهما عن الآخر إلا راضيا مرضيا فترى في آثار عقله طهارة القلب وإيمانه، وفي آثار قلبه إجادة العقل وإحسانه: ولو كشف ذلك عن بواطن الأنبياء لتجلت لعينيك هذه الحقيقة ماثلة.

حديث القمر · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حديث القمرص ١٧