تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنت ترى الصورة الصغرى لهذا العالم الحيواني في جماعة الملحدين، فإن تلك الفلسفة وذلك العلم اللذين يزعمونهما ويتنبلون بهما في الناس إنما يدلان على أشياء كثيرة يتداخل بعضها في بعض كالمترادفات اللغوية، ثم تراها كلها قد صارت إلى معنى واحد يدل على الحقيقة التي هي أم هذا الباب - كما يقول النحاة - وهذا المعنى الذي لا ريب فيه هو انتزاع الخير من قلوبهم المتهكمة بالله.

ولست أصدق أن ملحدا يعمل لخير الناس ابتغاء الخير نفسه، فإن حدثوك بخبر من ذلك فاعلم إنما يريد به الرجل برهانا على صحة إلحاده الإنساني ... يخدع به من يقدم له الخير أو من يراه وهو يقدمه؛ فإنه لسخافته يكفر بالله ويريد أن يعمل بعض عمل الله!

وما من شيء خبيث نعتده شرا إلا وفيه وجهة تخرج منه الخير، وهذه الجهة في الإلحاد هي الغرور والوهم، فلو أصبت إلحادا لا غرور فيه ولا وهم فاعلم أنك أصبت عقلا في مجنون أو جنونا في عاقل، وليس ذلك بدعا فإن في كل دائرة نقطة تعدها الغاية التي يرتقي إليها طرفا المحيط إذا نظرت إليهما صاعدين نحوها فإن نظرت إليهما منحدرين عنها كانت هذه النقطة عينها مبدأ السقوط ولم يكن ثمة فرق بين القوسين المنحدرين إلا في الجهة يمنة ويسرة، كما لا فرق بين عقل المجنون وجنون العاقل إلا في الجهة؛ لأن كليهما وبال على صاحبه، وأحمق ما يكون المجنون إذا رأيته يتعاقل!

يريد الملحد أن لا يقر بشيء يسمى فلسفة النفس أو يسمى دينا؛ لأن الحرفين مترادفان، ثم أنت تراه يخرج لك من رأيه ما يريد أن يجعله حقيقة لهذه الفلسفة التي أنكرها ... فهو يكفر بإيمانك ليجعلك تؤمن بكفره، وكأنه يقول لك إنما نحن على الأرض فانظر في الأرض واكسر هذا اللولب الذي تتحرك به عيناك إلى جهة السماء حتى يبقى علم رأسك فيما تحت قدميك، وإن سالت عليك السماء بعنصر الحياة (الماء) فلا تقل هذا من واهب الحياة ولا من رب السماء ومهلا قليلا، فإن الأرض ستجمعه في أنهارها وتنبطه من عيونها فتنبع لك الحياة من الأرض كما تنشق المادة من المادة. ثم يذوب هذا الكلام الرقيق في حلقه فيبلعه مع ريقه ويسكت ... وكأن بصره الزائغ يقول لك: أما الهواء فإن لم تستطع أن تتنفسه من الأرض ولم تستطع الأرض أن ترفعه لك من تحت قدميك فلا ندحة لك في هذا من أن تترك منخريك يعدان في المؤمنين برب السماء ... ويكونان فيك كما تكون الأعضاء الأثرية ولو حكما واعتبارا، وإن كان لك ضمير شريف طاهر كأنه مرآة إلهية وضعت في الأصل بين جنبي آدم لتمثل لروحه السماء وجمالها متى أخرج من الجنة، فاعتده رأس ما ورثت من داء عن آبائك الأولين؛ لأنه لا برهان عندهم على فساد الإيمان أقوى من هذا الضعف الرحيم في نزعة القلب. ولعمري إنه لبرهان سديد في الغاية ولا أبدع منه في علم المنطق لأن فيه قوة الانعكاس من نفسه، فلا يرسلونه حتى يرد عليهم كأنه جواب أنفسهم على اعتراض ألسنتهم؛ وأي برهان أقوى على فساد الإلحاد من إرادته أن يكون في الملحد عقل إنسان وقلب وحش؟

ثم كأنه يقول لك: إن العلم أثبت ونفى، وإن الدين نفى وأثبت فلا تمايل بينهما مترددا وخذ ودع ولكن من العلم وحده، فإن شيئا تفهمه خير من شيء لا تفهمه، وكل ما أبى العلم فلا ترضه لئلا ترمى بالجهل الاصطلاحي ... وإذا كنت فقيرا لا تملك الملايين وكنت اشتراكيا فلا تصدق أن أحدا يملكها، لأن الاشتراكية تأبى ذلك، وكن دائما تنظر ولا تصدق ... وإذا رأيت الإنسان لا يزال عاجزا إلى اليوم عن تعليل أشياء كثيرة من البسائط التي تمتحن بها الطبيعة أطفالها ممن نسميهم العلماء، فاعلم أن هذا الإنسان لا يزال ناقصا في رأي العلم وسيتم يوما ما، فحسبك أن تكفر الآن كفرا ناقصا ... وإياك من الغرور وأن تحسب أن نقص الكفر جاء من كون الإيمان كاملا بطبيعته؛ لأنه شيء أزلي في النفس، بل هو جاء من نقص العلم أو من نقص الإنسان العالم، فمتى تم هذا يتم ذلك لا محالة فيكون أكبر عالم في الأرض أكبر كافر في الأرض ... ونحن لا نعرف من أمر المستقبل شيئا ولكننا نعرف أن العلم سيبلغ تمامه في المستقبل ...

حديث القمر · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حديث القمرص ١٦