تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أيها البحر! ما هذا البريق الذي تسطع به حتى لكأنك تحت الشمس أرض من الزمرد والفيروز والماس؟

وما هذه الرقة في هذا الأديم الذي تتعرى به حتى لكأن كل موضع فيك عليه بضاضة وإشراق من جسم فاتنة عارية؟

بل ما هذا التوحش في هذا الموج الذي تزأر به زئيرا يتردد في كل نواحيك حتى لتلوح كل موجة من كل موجة كأنما هي لبد أسود بيض غاطسة في الماء يحمل بعضها على بعض للقتال؟

وما هذا الهدوء ساعة تستقر في جو خافت كهمس التسبيح فتبدو كقلب المؤمن رسب في أعماقه اضطراب الظن بالحياة، وطفا على اطمئنان التوكل على الله؟

وما هذه الثورة ساعة تستقر في جو صاخب كمعمعة المعركة، فتظهر كالمخبول ثارت خواطره فهن كأمواجك مبعثرة طائرة، وكأن زوبعة سكنت فيها؟ •••

ولكن أيها البحر! هل يقال لك: ما هذا؟ وما هذه؟

كلا، فما أنت إلا كذلك الجمال المعشوق: يسطع ويرق ويتوحش ويهدأ ويثور، وله الأشعة الزاهية البراقة، والعري الحريري المخمل، والزئير والهمس، والأعاصير والزوابع، ثم لا يسأل في كل هذا ولا مرة واحدة: ما هذا؟ وفي كل هذه ولا مرة واحدة: ما هذه؟ •••

ورأيت يا حبيبتي هذا البحر مضيئا ممتدا كأنه نهار أبدى أمسكته الدنيا؛ لينير النور في قلوب أهلها فإن النور يظلم فيها.

ورأيته كالمعاني الندية بثها الله من رحمته في جفاف الحياة ومعانيها، ورأيته استواء واحدا في وضع الجمال، ليس فيه موضع أعلى من موضع.

ورأيته دائم الترجرج كأنه متهيئ أبدا؛ ليسكب معانيه في فكر الناظر إليه.

ورأيته لا يحمل أن يوضع لإرادته حد فهو دائما يصدم الشاطئ كأنه يقوله له: اذهب من هنا ...! •••

رأيت فيه كل هذا ؛ لأن مثل هذا كله في جمالك أنت وفي معانيك.

فأنت بجمالك المشرق لمعة من نهاري.

وأنت بعواطفك رحمة من الله لقلب لولاك لجف.

وأنت بحسنك لؤلؤة كلها وضع واحد في الحسن.

وأنت دائمة الترجرج في خواطري دائمة الانسكاب في قلبي.

وأنت لا تحتملين أن أضع شاطئا لإرادتك.

وأنت، أنت، أنت ...

| فلسفة المرض

«ولما برئ من مرضه كتبت إليه تسأله فلسفته في المعاني التي ينشأ المرض لإيجادها في النفس، فكتب هذه الرسالة وتجافى عن ذكر الحب فيها؛ إذ كان الشأن حينئذ شأن الحياة، وقد كتبها وهو في أعقاب العلة، ولولا أنها هي طلبت منه هذه الرسالة، وأنها أعجبت بها، وعدتها من آثارها فيه؛ لما نشرناها هنا».

خلقت نفس هذا الإنسان وكأنها ثلاثة أنفس، إذا كان دأبا لها أن تكون طامعة متلفتة وثابتة، فهي لا تكون على رزق ترزقه، ولا تثبت على حال تحول إليها، ولا تقر في منزلة تسفل بها أو تعلو.

وهي كذلك لا تبرح تنزع مما وجدته إلى ما لم تجده؛ لأن الشوق أحد عناصرها: ولا تنفك متقلبة تجعل ما ترضاه يوما هو ما تسأمه يوما؛ لأن الرغبة إحدى طبائعها: ولا تزال تتخطى حدود الأشياء؛ لأنها من الأزل بنيت على الخلود الذي لا يقف على حد، فالشوق الثائر في حاجة إلى فترة تكسر من حدته، والرغبة المجنونة في حاجة إلى ضعفة تهدئ من ثورتها، وخطوة الخلد التي لا تزال دائبة تتقدم، في حاجة إلى عثرة بمعنى من معاني الفناء المعترضة في طريق الحياة.

وبذلك يكون الإنسان دائما في حاجة إلى بعض الأمراض، لا ليمرض ولكن ليصح، إلا أنواعا من أساليب الموت تسمى أمراضا لا حيلة فيها، ولا يكن المريض معها إلا كالوعاء يشق؛ ليحطم وينتهي، لا كالوعاء الذي يصب ما فيه؛ لينظف ويملأ ويبتدئ.

فالمرض الرحيم وضع النفس في وثاق يمسكها حينا؛ ليحبسها على تأمل حقائق الحياة المغطاة، ويكرهها على أن ترى الدنيا أهون من أن تصغر لها نفس، وأحسن من أن يسقط بها قلب، وأحقر من أن تتهالك عليها الأحياء، ثم ليريها رأي العين أن العالم مصبوغ بأخيلتها الوهمية التي نفضت عليه ألوان الجنة فأفسدته بهذا التمويه، وتركت أهله يتكذبون في أوصافه فيخطون في حقائقه وجعلته كالقمر: هو في ذاته حجر مظلم، ولكن ذهب الشمس يجعله كله فضة بيضاء.

أوراق الورد · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٥٨