تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان لي قلب، فيا عجبي

ليس في جنبي سوى أثره

ضاع مني فابحثوا تجدوا

في ابتسام الحسن أو نظره

ويحه قلبا أعيش على

صفوة عيشي على كدره

يرتقي كالنسر ثم ترى

مرتقاه عين منحدره •••

ههنا قلب وحامله

ميت الأمن على حذره

1

ذاب ذوب العطر مذ وقدت

للهوى نار على زهره

ضره ما كان منفعة

نفعه ما كان من ضرره

عابس كالليل ليس منه

أمل إلا سنا (قمره) •••

وهنأ قلبه وصاحبه

قد بنى الدنيا على حجره ...

تقرص الألم مهجته

مثل قرص الوحش من ظفره

2

والحديد والصلب تحسبه

صورة عمياء من صوره ... ... لم يلن لا بمطرقة

من قضاء الله أو قدره •••

وسؤال لا جواب له:

أي ذين الحلو في ثمره؟

لو يبين الحلو خالقه

كيف يسقى المر من مطره؟

| البحر

«وكتب إليها من شاطئ البحر، وكان قد ذهب إلى هناك مسشفيا من علة أصابته».

1

لقد كنت والله من وثاق المرض كالسجين المغلغل: يحمل على أعضائه أعضاء من قيود وسلاسل، فلا يجد كل الأمكنة أوسعها وأضيقها إلا جسمه والجسد الحديدي الذي فيه جسمه، وكأنه من الكرب لم يقيد، وإنما أقفل على روحه من ذلك الحديد بقفل يكف هذه النفس، ويحول بينها وبين الدنيا.

فلما احتواني البحر جعلت سلاسلي تذوب فيه شيئا من شيء في يوم من يوم، ثم كأنها لم تكن إلا آثار لون أسود فغسلها البحر ومحاها، أو كانت جمرات ألم أحمر فأطفأها وسال عليها.

ألا ما أعجب رحمة الله! فبينا هموم الإنسان في موضع هي أشد اندماجا من الحديد، إذا هي في موضع غيره متخلخلة أسرع ذوبانا من الملح المبتل: كأن مكانا يلبس أنفسنا ، ومكانا يخلع عنها، أو كأن الأرض بتباين أمكنتها وبقاعها تقابل الأقدار في اختلاف عللها وتصاريفها، حتى يكون السفر من بلد إلى بلد أحيانا كأنه تحول من قدر إلى قدر.

كان المرض يخيل لي أن هواء ناحيتي مستنقع معلق ... فجئت إلى هواء البحر فإذا هو بحر ذائب

2

يحس المتنفس منه أن في صدره مثل الموج على ما ركد فيه مما تركته الأيام والليالي من أحداثها وهمومها، فإذا صدره جياش مصطخب بالحياة يفور بها ويتضرب، وإذا موجة من العافية قد اندفقت في هذا الصدر فثلج وابترد وتنقى كأنما غسل ثم غسل إلى ملء بحر.

وأرى السماء هنا والبحر متدل منها، فكأنها مخيط أزلي، وهذا البحر كله موجة واحدة، وثبت من هناك عن ثبجها الأزرق

3

ووقعت إلى الأرض، أو هذا بحر سائل موار؛ إذ هو يدفع أنفاس الحياة الأرضية الفانية فلا بد أن يجري ويتحرك، وذاك بحر مستقر لثباته على الأزلية الخالدة، ويقع من أحد البحرين ثبات اليقين في روحي ومن الآخر حركة الأمل في قلبي، وتندمج بهما في حياتي روح أيام زاهية مضيئة كأنوار السماء، وروح آمال بلية منعشة كأنفاس البحر.

وأرى البحر مائجا يترشرش ويتناثر وهو بارد، ولكنه يبدو كما يغلي الماء في وعاء على النار، يتقاذف من شدة ما يغلي، يضطرب ويدوي كما يرجف الرعد ترددت هدهدته

4

يجاوب بعضها بعضا، فكأنما البحر سحاب عظيم قد حبسه الله في الأرض فهو أبدا ثائر يضج ويرعد، ولا يبرح ينازع الأرض أن يفر منها!

وأعرف للبحر في نفسي كلاما؛ فهو يوحي إلي: أن تجدد تجد في آمال قلبك كأمواجي لكيلا تمل فتيأس؛ وتحرك ... تحرك في نزعات نفسك كتياري لئلا تركد فتفسد، وتوسع توسع في معاني حياتك كأعماقي لئلا تمتلئ فتتعكر، وتبحر تبحر في جوك الحر كرياحي

5

لئلا تسكن فتهمد.

كن مثلي جبار الحياة مجتمعا من ألين اللين وأعنف القوة، كن مثلي قديس الحياة واسع الروح نظيف المادة مستعينا لواحدة بواحدة

6 ... كن مثلي جميل الحياة ثابتا على الرقة والصفاء، وإن من وراء شاطئيك الرمال والحجارة وطين الأرض وناس الأرض ... كن مثلي حر الحياة محتفظا بالسعة والحركة والعمق، كن مثلي إلهي الحياة ليس بينك وبين السماء شيء يحجبك أو يحجبها، وعلى وجهك دائما أنوار الشمس والقمر والكواكب، كن مثلي شاب الحياة فلن تهزم أبدا إذا أثلجت روحك بالرضا فتبلل شبابك بأندائها، فعمرك كله عمر الفجر! •••

أوراق الورد · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٥٧