تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبعد في الاستحالة من كل ما مر أن يكون في الأدب العربي ديوان من الرسائل الغرامية لكاتب واحد، فلقد كان مثل ذلك في الشعر كالندرة والفلتة، حتى قال الجاحظ: «لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاما وخاطرا! ما قدر أن يكون شعره في مذهب واحد لا يجاوزه، لأنه يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا ولزومه فأحسن فيه وأكثر.

ولأديبات الجواري رقاع في مكاتبة عشاقهن، بيد أنها لا تذهب إلا مذهبا واحدا في الكلام، فهي في القلم كما هي في اللسان، وليس الكتاب إلا رسولا لا رسالة، وقد نقل صاحب الأغاني في ترجمة «عريب» الحسناء الفاتنة المغنية الشاعرة الكاتبة البليغة المتعشقة التي تكاد تشبه الأديبة الفرنسية الشهيرة المتسمية (جورج ساند) في عشقها واستكلابها ... نقل أنها عشقت صديقا لمولاها يقال له حاتم بن عدي قال؛ فمد عينه إليها «فكاتبها فأجابته» وقال أيضا: إنها لما صارت في دار المأمون، احتالت حتى أوصلت محمد بن حامد وكانت قد عشقته «وكاتبته»، ونقل عن بعضهم قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتاب، قال: فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن بحيى؟

12

ثم روى صاحب الأغاني من مجونها وإفحاشها، فلو أن لها رسائل حب لاستطرف منها هو أو غيره، ولكنها كما قدمنا، رقاع في مثل الكلام الذي يتراجعه كل صاحبين إذا تحدثا أو تشاكيا أو تواعدا، وليست من الرسائل المصنوعة المجودة القائمة في فنها على شاعرية الجمال وتفلسف الحب وغزل الروح وخصائص المعاني.

وتبذل بعض أدباء المتأخرين فكتبوا في الرسائل الغرامية يخاطبون فيها بكاف الخطاب المفتوحة. كقول الأديب الشهير ابن سيناء الملك في رسالة: «وأنا والله في أمرك مغلوب، والسبب أني أنا المحب وأنت المحبوب، ولا أتجلد عليك فأغرك وأخون حبك، ولا أتصنع عليك فأغشك، وأغم قلبك ... اعمل ما شئت فأنا الصابر، وافعل كيف شئت فأنا الشاكر، وقل فلي سمع يعشق قولك، والتفت تر آمالي ترفرف حولك، وافعل فأنت المعذور، واستطل فما أنا المضرور بل المسرور، وارجع إلى الواد الذي بيننا فكل ذنب لك مغفور».

وهذا كما ترى، كلام غث سمج، وحب قد يكنسه في الطريق الكناسون، ولبديع الزمان رسالة مشهورة، إلى بعض من عزل عن ولاية حسنة، أثبتنا في ديوان رسائله، ولابن الأثير في كتابه «المثل السائر» رقعة قال إنها من عاشق لمعشوق، وعدها فيما عد من معانيه المبتدعة، وكل ذلك عندنا لا قيمة له.

ومن المضحكات رسالة كتبها علاء الدين المغربي سماها النيرين. قال: وهي من المحب الكئيب إلى حبيب الحبيب

13 ... وقد أوردها ابن أبي حجلة من أدباء القرن الثامن في كتابه الذي سماه: (حاطب ليل). •••

فأنت ترى أن الأدب العربي قد انطوى على محجوبة من هذا الفن بقيت في الغيب إلى عهدنا هذا، ونرجو من فضل الله أن تكون كتبنا الثلاثة قد أظهرتها، واستعلنت بها، وأن تقول العربية إذا تواصفوا كتب هذا الباب في بيان اللغات الأخرى: «هاؤم اقرؤا كتابية».

والحمد لله بما يبلغ رضاه.

| المقدمة

بقلم مصطفى صادق الرافعي

هذا كتاب «أوراق الورد» فحدثني من حدث

1 ... في سبب هذه التسمية قال: كانت معها ذات يوم وردة لا أدري أيتهما تستنشي الأخرى

2

فجعلت لها ساعة من حفاوتها تلمسها مرة صدرها ومرة شفتيها، والوردة بين ذلك كأنما تنمو في شعاع وندى، إذا رأيتها وقد تفتحت وتهدلت حتى لحسبت أنها قد حالت أوراقها شفاها ظمأى.

ثم تأملتها شيئا، ثم نحت إلي بصرها

3

وقالت: ما أرى هذا الحب إلا كورق الورد في حياته ورقته وعطره وجماله، ولا أوراق الوردة إلا مثله في انتثارها على أصابع من يمسها إذا جاوز في مسها حدا بعينه من الرفق، ثم في تفترها على إلحاح من يتناولها إذا تابع إلحاحه عليها ولو بالتنهد، ثم في بناء عقدها على أن تتحلل أو تذوي إن لم يمسكها مع بنائها الرفيق حذر من أن تكون في يده

أوراق الورد · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٥