7
فكتبت منية إلى حبيبها:
من سن سنة فليرض بأن يحكم عليه بها؛ ومن سأل مسألة فليرض من العطية بقدر بذله، لكل عمل ثواب، ولكل فعل جزاء، ومن بدأ بالظلم كان أظلم، ومن انتصر فقد أنصف، والعفو أقرب إلى العقل، وغير مسيء من أعتب، مع المخض تبدو الزبدة، عند تناهي البلاء يكون الفرج، كل ذي قرح يشتهي دواء قرحه، كل مطمع منتظر، كل آت قريب؛ الموت أروح من الهوى، اليأس أول سبب الراحة، السحر
8
أنفذ من الشعر، دواء كل محب حبيبه، مع اليوم غد، كما تدين تدان، استشف الله لما بك، واسأله المدافعة عنك!
وأجابها قابوس:
من الكرام تكون الرحمة، ومن اللئام ... تكون القسوة، من كرم أصله؛ لأن قلبه ورق وجهه، ومن عاقب بالذنوب ترك الفضل، ومن ترك الفضل أخطأ الحظ، ومن لم يغفر لم يغفر له، أولى الناس بالرحمة من احتاج إليها فحرمها، لكل كرب فرج، ولكل عمل ثواب ملكت فأسجحي، قدرت فأعفي، ويل للشجي من الخلي إلخ إلخ.
فانظر ويحك ما هذا الكلام المتقطع المبتدل المطروق المنتزع كله من الأمثال والأحكام، وكأن العشق في الحافظة ... ولم يورده ابن قتيبة إلا في باب النساء والعشق ... ثم ما عسى كان يقول هذان الحبيبان لو أن منية هذه قامت على منبر مسجد الكوفة ... وصعد قابوس المنبر في مسجد البصرة، وأرادا أن يخطبا الناس لإقامة صلاة الجمعة؟ •••
على أن بلغاء الكتاب في كل عصر تناولوا في ترسلهم فن (الإخوانيات) وأجروا فيه رسائل المودة والشوق والصداقة والاستعطاف والعتاب والاعتذار والاستزارة لمجالس اللذات والأنس، وهذه كلها من أمس المعاني بالحب وأقربها شبها به، وقد أجاد بعضهم في ذلك إجادة بالغة، وأنت تجد رسائلهم منثورة في كتب الأدب
9
ومن أبدعها قول سعيد بن حميد، حبيب فضل الشاعرة. «إني صادقت معك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمان؛ لأن النفس يقود بعضها بعضا».
10
غير أنهم يشترطون في هذا الفن من الرسائل الإيجاز والاختصار، وألا يتجاوزوا به نكتة المعنى، ليجيء قصدا قريبا، ولعل ذلك للعلة التي أومأنا إليها من قبل، إذا كان هذا على حدود الحب، فإذا تبسط فهو الحب بعينه، والكثير في الحب لا يكثر ولا يمل، أما في الصداقة فإلى حد وحسب.
وانظر ما كتب بعضهم في قطيعة صديق؛ إذ كتب إليه:
لم يدع انقباضك عن الوفاء وانجذابك مع سوء الرأي في ملاحظة الهجر والاستمرار على الغدر - محركا من القلب عليك، ولا خاطرا يومي إلى حسن الظن بك، هيهات! انقضت مدة الانخداع لك حين أخلفت عدة الأماني فيك، وما وجدنا سائرا من تأنيب النصحاء في الميل إليك، والتوفر عليك، إلا الإقرار بطاعة الهوى والاعتراف بسوء الاختيار.
فهذه الرسالة لو أنها صرفت إلى حبيبة، وامتد بها النفس على هذا الأسلوب وبمثل هذا التصرف لتكون صفحتين أو تبلغ ثلاث صفحات، لرجفت أركانها الوثيقة، وخرجت إلى الاستكراه والتكلف، وجاءت عيوبها من محاسنها، وهلك من طولها أولها إلى آخرها.
ولذلك نحونا في «أوراق الورد» أسلوبا خاصا، تدور به المعاني الحية في ألفاظها بألين مس وألطفه على وضع مستحكم كما يمس الدم الحي عروقه التي يدور فيها. •••
ولم نقف على اسم كتاب أفرد لرسائل الحب، ولو أنهم كتبوا فيها لجمعت كغيرها وأفردت بالتدوين، بيد أن للقيان الأديبات المتظرفات ضربا من رسائل الحب يكتبنها بالذهب والمسك والزعفران في بديع الحرير الصيني وضروب الديباج، ويجعلن ظروفها طرائف المناديل؛ ويتخذن لها الزنابير الحريرية تربطها، ويطيبنها بالمسك والذرائر،
11
ولا يكتبن فيها إلا «نتف الألفاظ المهلكة ... وملح المكاتبة، وطرائف المعاتبة، وجميل المطالبة، وشكيل المداعبة، وقد جمع أبو الطيب الوشاء من أدباء القرن الثالث كتابا من هذه الرسائل سماه: (فرح المهج) والذي يؤخذ من كلامه أن أكثر ما يكتب في ذلك هو الشعر والمثل وأبيات العتاب والسلام ونحوها، مما هو محفوظ مأثور، فليست هذه من رسائل الحب وإنما هي من وسائله.