ومن امتلأ من فقد السرور، كان حقيقا أن يكون هو الذي يمتلئ من وجوده، فاللذة لذة واحدة بنفسها، ولكنها تتعدد بموقعها وبحالتها، وبمقدار فهمها، وبقوة الشوق إليها، وما أشبه النفس في هذا المعنى بقصر العروس. إن لم تتقدم العروس معانيها فتزين القصر وتزخرفه وتكسوه، وتجعل في كل مكان منه جمالا يومئ إليها، وزينة تشاكلها، وحسنا يتمها أو يفسر منها - لم تكن العروس على القصر إلا أرملة ...
كلا يا شجراتي، فلست ظالما فأجري عليكن حكم المرأة في شتاء حبها، فإن المرأة متى بردت ... ظهرت كالسحب الثقيلة المطبقة بأرجائها السوداء: لها في سمائها لون الوحل قبل أن تستوحل بها الأرض ... وبها من الظلمة ملء ليل طويل يموت فيه النهار الطالع وشمسه معا، ويكلح بها وجه الحب، ويبرد ويظلم؛ لتكون في بلائها مادة إنسانية تقع منها صاعقة ...!
آه لو أن شجرة لم تحمل كل أغصانها إلا من قشور الثمر المطروحة في الطريق؛ لكانت هذه المرأة أسخف منها، ولو أن شجرة حين أورقت لم تورق من جذعها إلى بواسقها وأعاليها إلا بأجنحة الذباب ... ليتقذرها صاحبها، لأشبهتها هذه المرأة!
كلا يا شجراتي، فقد ذهب ربيعي مثلكن، ولم يكن ربيعا في قلبي، فسأقضي شتائي، وأنتظر أنا وجذوري. إنه عهد ليس أشقى منه لوعة، ولا أسعد منه ذكرى إذا جعلنا نحن إلى حياة ليست في حياتنا، بل ذهبت عنا بحبيب نأى أو حبيب هجر. •••
عجبا! ماذا يحدث في الحياة من هنات وهنات؟ تمرض الشجرة فصلا من سنتها، وتشرف على الموت فصلا آخر،
1
ثم يطير فيها لهب الشمس فإذا هي تغلي بالشعاع، وعليها ضبابة خضراء من غليان ألوان الشمس في جوفها،
2
فليس من جمال إلا وبعض مادته في أصلها من القبح كما ترى، يظهر لك في الطبيعة الجميلة؛ لأنها عدوة التصنع، ويخفى في النساء الجميلات؛ لأنهن عدوات الطبع، حتى أجمل ما في المرأة الجميلة، لا تراه بعيدا من أقبح ما فيها حتى دلال المرأة التي تحبها، فهو بعينها لو حققت، هو معنى ظريف رقيق من ... من ... من وقاحتها ... •••
أين الجزاء المسكر في الكأس إلا مع غير المسكر فيها؟ وأين المرأة الجميلة إلا مع مكروهاتها يغرك منها ما يغر؟
لهفى لأشجار المحبة
مر فصل ربيعها
جد الهوى في عرسها
ليجد في تقطيعها ...! •••
كل الفتوق لها الرقاع
ترم من تصديعها
وإذا تمزقت المحبة
حرت في تريقعها ...!
| رسالة الطيف1
ألم بي طيفها بالأمس، فاقتحم بناء النسيان الذي رفعته بيني وبينها، وألقيت كبريائي في أساسه حتى لا يرجف ولا يتصدع، وأعليته بهمومي منها، وشددته بعزائمي وثقتي، وجعلته بإزائها كالمعبد من الزنديق: إن يكن لا يسخر من ذلك إلا هذا فما يلعن هذا إلا في ذاك ...!
ولم ينكشف الليل حتى رأيت معبدي أطلالا دارسة قد خلعتها روح السماء فلبستها روح الأرض، فتحول كما يتحول الزاهد في سمته ووقاره وتعففه إلى الشحاذ في تبذله وحرصه وإلحافه وتصدع فنونا، وتبدل أشكالا، وسرى طيفها في نيتي مسرى الزلزلة الراجفة في بقعتها من أرضها: تشق في الأرض والصخر والجبل ما يشق المقراض في سرقة من الحرير
2
بل أسرع وأقطع وأمضى، ولو حدث بعد الذي فعل طيفها أن مدفعا من المدافع ألقى ظله على الأرض فانفجرت من ظله القنابل تخرب وتدمر وتأتي على ما تناله والمدفع ذاته قار ساكت - لقلت عسى ولعله، وأمر قريب، ولعل المدفع كان امرأة. •••
ولكن تحت أطلال نسياني، وما تخرب من عزيمتي ... انكشف لي كنز من الخيال دخلته وملكته، ولم أر فيه الدر والجوهر والماس والياقوت في جسم الأرض؛ بل رأيت فيه الحبيبة تسطع من جسمها البديع، حقائق كل هذه الجواهر الكريمة، حتى لكأنها والله في غرابة الحلم حسناء من در وماس وجوهر وأشعة تتلألأ، وما شئت أن أرى صفاء ولا جمالا ولا حسنا ولا فتنة إلا رأيت فيها.