تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال لي ذلك الغصن الأملد، وهو يموت في يدي ويعالج سكراته: أيها الإنسان الضعيف! هأنت ذا تراني رؤية عين، وتعرف بي سرعة انقطاع الحياة، وتستيقن مني أن ما يجيء بطيئا يذهب حين يذهب سريعا، وأن طرفة عين من ساعة الموت تمسح السنين الطويلة والعمر المتقادم، وتقفل الباب على هذا العالم كله، فكن غصنا في شجرة الحياة، ولكن اعلم مثلي أن الشجرة لا تعرفك مثبتا فيها بالمسامير، ولا مشدودا إليها بقوة أزلية: فلك منها المنبت على أن تكون قابلا للكسر، ولك منها الزينة على أن تكون قابلا للتجرد، وإنما أنت فيها كما أنت؛ لتظهر فيك حقيقتها كما هي، فليس لك أنت حقيقة.

أيها الإنسان! إن للشجرة تماثيل يرفعها الله في كل مكان يوجد الإنسان فيه؛ لتقول له: كن دائما ذا فروع؛ لتظلل بأبنائك موضعك من التاريخ، كريما في حياتك تعطي مما تأخذ، كن طاهرا تعرف كيف تستمد من كل شيء شيئا واحدا يعيش عليك، كن مع جنسك مختلف الظاهر على جرثومتك وموضعك؛ فذو ثمر أو زهر أو شوك - ولكن ابق في داخلك وعنصرك مع غيرك من الناس على قانون واحد. •••

يا شجراتي! ما أنتن إلا من بعض صور الحب، ولكن حبكن من النعمة والعافية؛ إذ لا تنتهي في النفس معاني شهواتها، بل معاني لذاتها فقط ...

أنتن المثل الهنيء الذي لا بؤس فيه ولا حظ، كالمعبد الذي تحمل إليه الآلام والأوجاع؛ لتنسى فيه هنيهة من الزمن، ولهذا يقبل عليكن الحكماء وأهل النفوس الحاسة والطباع الرقيقة، يأتون بالأنفس الذابلة والقلوب المتوهجة في ضعفة وسأم؛ ليرجعوا في هذه وهذه باللون الأخضر، وبروح النسيم في قوة وعزيمة. •••

لا بؤس ولا حظ في القاعدة المطردة التي تجري على وتيرة واحدة، ولكن حين تختار الحكمة الإلهية شخصا بعينه؛ لتجري عليه حكم الشاذ من القاعدة، وتهيئ له الأحوال الشاذة، فهناك إما حقيقة البؤس وإما حقيقة الحظ، وما أصل الهم والشقاء في الناس إلا أن كل إنسان يتمنى لنفسه أن يشذ من قاعدة ما ...!

| شجرات الشتاء

يممتهن اليوم فإذا هن ذابلات عليهن الضحى عريانا، وكن من ورقهن في حلل الظل، وفيهن انكسار ذي العارية، وكان يتجمل بعاريته، ثم ردها فما يتوارى إلا من الأعين التي كان يتعرض لها من قبل ... ويحس كأنه أصبح لحنا من خطأ فاحش في لغة النعمة واليسار، لا يكاد يظهر نفسه إلا قيل له: يا غلطة تحتاج إلى من يصححها ...

ورأيتهن واقفات في مثل ذلك الحزن النسائي الغرامي الذي يخلط المرارة في حلاوة المرأة الجميلة فتبدي عن عاطفة مسكينة لا يصورها لك إلا أن ... أن تتخيل جزع لؤلؤة تخشى أن تتحول إلى حصاة.

ذليلات ذليلات كأنهن مطلقات الربيع ...! •••

وقالت لي صديقة منهن: لقد كنت في جانب منا، أفمنحرف أنت إلى الجانب الآخر؟ وكان لك فينا من رأي الحب ما يكسونا مع كسوتنا، أفيكون لك من رأي البغض ما يجردنا مع كسوتنا، أفيكون لك من رأي البغض ما يجردنا مع تجريدنا؟ أم ستقول: طاووس انسل ريشه الجميل فرده القبح دجاجة، وشجرة سلبت زينتها فعادت كأن لم يخلقها الله، ولكن أقامها النجار ... أما أنت رادنا إلى المسخ فمجر علينا حكم الرجل على المرأة: متى قبحت في عينه قبحت في قلبه؛ إذ لا يطلب إلا معنى فيها تحت الرونق لمعنى فيه هو تحت الدم، فإذا هي لم تعد من إيمانه ... كفى ذلك وحده أن يجعلها من كفره ...

أظالمني أنت فتعرف لي ذلا بعد عزة، وتصف لي خضوعا بعد كبرياء، ولا تضع بإزائي في ميزان قلبك إلا المعاني الثقيلة التي تلقيها تزن بها ما تكره؛ لكي تملأ نفسك منه بغضا وكراهة؟ •••

كلا يا صديقتي! إنما تتحولين لأجد منك معنى جديدا في نفسي. فكأنك تخرجين مني رجلا في الربيع ورجلا في الشتاء، وكأني أعرف بك كيف أتحول في بعض معاني الحياة من نسيم إلى عاصفة. أنت كالحبيبة المخلصة حين تبالغ في إصفاء الود، فتمتنع وتهجر لتهب محبها الفكر في جمالها كما وهبته النعمة بجمالها، فيصيب اللذة ومعناها، ثم يجد الشوق الذي يضاعف معناها. فإني رأيت الذي لا يفكر في معاني الجمال حين يمتنع ويبعد، لا يدرك كل معانيه حين يمكن ويدنو.

أوراق الورد · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٤٤