تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

كذلك أراك بحس الشاعر الذي يضيف دائما إلى الحياة والطبيعة زوائده وفنونه، ولكني أراك أيضا بحس الطفولة التي تضيف إليها الحياة والطبيعة دائما مثل تلك الزوائد والفنون، فما أحسبني رأيتك مرة إلا وكأني رأيت فيك أول أنثى، وكأنما الحب هو بدء الدنيا مرة ثانية من أولها، أي ولادة خيالية: إن لم تولد بها الأشياء في أشكال جديدة فبألوان جديدة، أي زخرفة الوجود كله ونقشه لعين العاشق بجمال المعشوق، كأن الوجود بيت قد طلي وزخرف ونقش؛ لأنه ستدخله عروس الحب! •••

وانظري الآن يا حبيبتي صور نظراتك في قلبي، فإن لها بعثات من ورائها بعثات،

2

وفيها المعاني من تحتها المعاني.

فهذه نظرات تمتد تأمر تشعرني قوة سطوتها كأنها تقول: أريد ... أريد ... ثم لا يرضيها الرضا فكأنها تقول: أريد منك أكثر مما أريد ...!

ونظرات تجيء تشعر النفس قوة سحرها، فلا تتفتر بها عيناك حتى أرى الحياة وقد ملأت وجهك بفن من الأنوثة الساحرة كأنما أبدعته لك خاصة.

ونظرات من عين ساجية ساكنة الطرف كأنها تقول لي: إن نظراتي إليك بعض أفكاري فيك!

ونظرات بتقطع الطرف بيني وبينك فيها كأنها تقول لي أفهمت ...؟

ونظرة طويلة صارمة لها سيماء قاض محقق تبحث في عن توكيد لتهمة أو براءة!

ونظرات من عين تسأل متجاهلة وقد شطرت بصرها

3

كأن فيها فكرين؛ أحدهما يقول أعرفك، والآخر يقول لا أعرفك!

ونظرات الحبيبة لألات بعينها

4

كأنها تقول لقلبي: أنت جريء كالفراشة، ولكن على الشعلة المحرقة ...!

ونظرات الجميلة المزهوة كأن فيها شيئا أعلى من أرواحنا يوضح لمحات من الجمال الأزلي.

ونظرات الضاحكة اللعوب تنفر وتتدلل كأنما تقول لي: إنها تحس بأفكاري تداعبها وتلمسها!

ونظرات الخفرة الحيية التي كأنما تحاول أن تخفي سر قلبين تحت كسرة طرف ضعيفة.

ونظرات العذراء أومضت بعينيها وسارقت اللحظ

5

لأن روحها تريد أن تقول: إنها للحب متيقظة!

ونظرات ترنو في سكون واسترخاء كأنها تقول: إن تعبيري هو أن يموت في التعبير!

ونظرات أراها محدجة

6

كما تنظر من روعة وفزع حين لا فزع ولا روعة، فاعلم أن الجمال يهاجمني بسلاح خوفه !

هذه نظرة بريئة، ولكن في شكل خاص من البراءة ... لينبعث منها فجأة معنى ظريف يتماجن ويمكر ويعبث!

وهذه نظرة ناعسة، كأن وراءها فكرا خطرا نائما تجتهد أن لا ينتبه ...!

وهذه نظرة - نظرة واحدة - يقول من يعرف أنساب معاني الحب: إنها ربما كانت ... أخت القبلة، في قصيرة لا ينفتح بها الجفن حتى ينطبق!

وهذه نظرة طويلة قوية في جذبها، فربما كانت أخت العناق!

وهذه نظرة - نظرة واحدة - يجشع فيها بصرك؛ لأن تهمة لك من عيني التقت مرة باعتذار لي من عينك.

وهذه نظرة بين المعنيين تحتمل كليهما: إساءة الدلال إلي وإحسانه علي!

وهذه نظرة بين اللقاءين

7

تجذب في قلبي الخوف والأمل بمقدار واحد. •••

تلك يا حبيبتي صور نظراتك في معرض قلبي، وتقابلها هناك الصور الأخرى التي لا تريدين أن أصفها لك؛ لأنها الصور المسكينة: صور أحلامي ...!

| استمداد فلسفة

«وكتب إليها»:

جاءني كتابك، بل جئتني أنت في كتابك، فضممت الصحيفة إلى قلبي ضمة عرفتك فيها من خفقات هذا القلب واضطرابه! وقبلت الكلمات قبلا شعرت من سحرها في نفسي أن هذه الألفاظ قد خرجت من فمك الوردي فجاءت عطرا وحياة وجمالا، ونقلت في الكتاب جوا رقيقا نديا كان مطيفا بشفتيك عند كتابتها كأنه نسمة من الفجر حول وردة تتنفس بعطرها الذكي.

كلما قرأت لك شيئا نفذ إلى روحي بالعطر الذي عطرك الله به. كأن الكلام بيننا أثير تسبح فيه مادة نفسينا: ولو كل الجميلات في العالم لفظن كلمة واحدة ثم لفظتها أنت لكنت أنت وحدك القادرة على أن تصنع روح الجمال، وروح الحب، وروح المرأة في تلك الكلمة؛ لأن روحي لا تعرف الجمال والحب والمرأة إلا فيك!

أوراق الورد · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ١٦