تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعبير رجل جبار يحمل عزائمه التي يحترق بها، وليس فيه إلا صفات النار!

4

أترى يا قلبي كأن مدينة الحياة في النهار بصراعها وهمومها تحتاج إلى قفر طبيعي يفر إليه أهل القلوب الرقيقة بضع ساعات، فلذلك يخلق لهم القمر صحراء واسعة من الضوء يجدون فيها بعد تلك المادية الجياشة المصطخبة روحانية الكون، وروح العزلة، وسكينة الضمير، ويبدو فيها كل ما يقع عليه النور كأنه حي ساكن يفكر.

أترى يا قلبي كأن ضوء القمر صنع صنعة بخصائصها؛ ليبعث في القلوب معاني القلوب الروحية من الفكر والحب، كما صنع نور الشمس؛ ليبعث في الأجسام قواها، ومعانيها المادية من الحياة والدم؟ ...

أترى يا قلبي كأن هذا القمر إنما يلقي النور على الحلم الروحاني اللذيذ الغامض الذي يحلم به كل عاشق من أول درس في الحب، ساعة ترسل الحبيبة إلى قلبه رسالة عنها، ولا يحلم بمثله في غير العشاق إلا أعظم الفلاسفة، وفي آخر دروس فلسفته، وبعد أن تكون الليالي الطويلة قد أطلعت في سماء عمره قمر الشيخوخة من شعره الأبيض؟

أترى يا قلبي كأن هذا القمر في الحب (تلسكوب) يكبر نوره العواطف حين تبث في ضوئه، فلا يطلع على حبيبين أبدا إلا كبر أحدهما في عين الآخر؟

أترى يا قلبي أنه ليس في الحب إلا عواطف مكبرة يثيرها دائما وجه الحبيب، فلا بد أن يكون دائما وجه الحبيب طالعة فيه روح القمر؟

أترى يا قلبي ...؟ آه ... أترى؟

| قال القمر ...

يا ليل، هيجت أشواقا أداريها

فسل بها البدر: إن البدر يدريها

رأى حقيقة هذا الحس غامضة

فجاء يظهرها للناس تشبيها

في صورة من جمال البدر ننظرها

وننظر البدر يبدو صورة فيها •••

يأتي بملء سماء من محاسنه

لمهجتي، وأراه ليس يكفيها

وراحة الخلد تأتي في أشعته

تبغي على الأرض من في الأرض يبغيها

وكم رسائل تلقيها السماء به

للعاشقين، فيأتيهم ويلقيها •••

يقول للعاشق المهجور مبتسما:

خذني خيالا أتى ممن تسميها

وللذي أبعدته في مطارحها

يد النوى، أنا من عينيك أدنيها

وللذي مضه يأس الهوى فسلا:

انظر إلي ولا تترك تمنيها •••

أما أنا فأتاني البدر مزدهيا

وقال: جئت بمعنى من معانيها

فقلت من خدها، أم من لواحظها

أم من تدللها، أم من تأبيها

أم من معاطفها، أم من عواطفها،

أم من مراشفها، أم من مجانيها

أم من تفترها، أم من تكسرها

أم من تلفتها، أم من تثنيها!؟

كن مثلها لي. جذبا في دمي وهوى

أو كن دلالا وكن سحرا وكن تيها

فقال وهو حزين: ما استطعت سوى

أني خطفت ابتساما لاح من فيها ...!

| نظراتها

أكتب إليك يا حبيبتي كتاب عيني؛ إذ أكتب عن نظرتك السحرية التي أجد لها في قلبي معرض فن كامل من صور المعاني الجميلة. فإن نظرة الحب تقع في العين وحقيقة معناها في القلب، كأختها قبلة الحب: هي في الفم، وحلاوة طعمها في الفكر.

أتدرين يا حبيبتي كيف أراك؟ ... إن في عيني من أثر حبك ما جعل في نظري قوة خلق معنوي تريني كل شيء من فوق معانيه، كأني خلقت فيه جمالا أو معنى، أو خلقت فيه القدرة على أن يسمو في روحي، ويرتفع بها فوق ما هو في نفسه وحقيقته، وعلى الجملة فكأني أسبغ الفن على المادة، فإذا كل شيء يرى هو في نفسي شيء ألبس مجازا أو استعارة أو نحوهما مما يحقق فيه مع صنع مادته عمل فكري وخيالي.

في نظري من أثر حبك حس من الفكرة، فهو نظر وتقدير معا، والأشياء لديه مادة وعبارة سواء، والإدراك به حقيقة وخيال جميعا، وبكل ذلك فالجمال في نظري جمال من ناحيتين: حسنه في ذاته، وحسنه في خيالي الذي يجعله أسمى من ذاته.

ولو أردت مثلا أضربه لقلت لك: خذي جمالين في معنى واحد فإني أنشأت حديقة زهر، ولكني لا أقول لك أنت غرست حديقة؛ بل أقول لك: غرست الفجر.

ومن ذلك يبدع لي الحب فكرة عنك لو هي كانت في خاطر ملك من الملائكة يمر بها في السماوات لما زادت ولا ارتفعت عما هي في نفسي ولو دخل بها الجنة، في هذه الفكرة عنك يا حبيبتي الجنس كله بأحسن ما فيه، وبهذه الفكرة أراك وفيك الجمال النسوي كله، فإذا نظرت إلى غيرك لم أر فيها إلا شخصها هي حسبه.

أوراق الورد · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ١٥