تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بلغت ثقة الدولة العلية برعاياها على اختلاف دياناتهم وأجناسهم وحسن نواياها نحو المسيحيين المحكومين بها أنها عينت لمقاطعات صربيا والأفلاق والبغدان حكاما من اليونانيين مؤملة أنهم يخدمونها بصدق وأمانة كما أكرمتهم وأكرمت أمتهم، فكانوا الأعداء الألداء في ثياب الأصدقاء الأمناء، وعوضا عن أن يقوموا بالواجب عليهم نحو دولة رفعتهم إلى أسمى المناصب استعملوا سلطتهم ونفوذهم في تهييج أهالي هذه البلاد ضد الدولة العلية، وإلقاء بذور الثورات والاضطرابات فيها. •••

وقد أسس المهيجون من اليونانيين جمعية في بلاد الروسيا اسمها «هيتري» - أي الجمعية اليونانية الوطنية - غرضها: استقلال اليونان والانتقام من الدين الإسلامي، وقد ساعد القيصر هذه الجمعية كل المساعدة؛ فأخذت تنمو وتنتشر، وأخذ الكثير من أعضائها يقتلون ويسلبون باسمها وبدعوى المطالبة باستقلال اليونان، وكان «إسكندر إيبسيلانتي» و«ديمتريوس إيبسيلانتي» أهم أعضاء الهيتري في خدمة القيصر الشخصية، وكان «كابوديستريا» زعيم الثورة اليونانية أحد وزراء القيصر إسكندر الأول.

وكان ابتداء الثورة اليونانية دخول «إيبسيلانتي» في المقاطعات اليونانية في عام 1821 محرضا على الثورة بلاد اليونان كلها، وقد اعتبر هذا العمل بإيعاز من الروسيا، وكان من البديهيات أن «إيبسيلانتي» الذي كان ضابطا بمعية القيصر عمل ما عمل بأمر القيصر أو برضاه، وقد أتى «إيبسيلانتي» نفسه بما يدل على ذلك حيث كتب في دعوته للثورة: «وإذا اعتدى أحد من الأتراك على أراضي بلادكم فلا تخشوا له بأسا؛ فإن دولة عظيمة مستعدة لمعاقبة المعتدين عليكم.»

ولم يكن بين دول أوروبا دولة تعارض هذه الحركة اليونانية مثل دولة النمسا، فإنها كانت تحيط الباب العالي علما بكل دسائس ثورويي اليونان، وبكل تشجيعات الروسيا لهم وأعمالها السرية.

أما إنكلترا فكانت خطتها في بادئ الأمر التظاهر بمساعدة تركيا ضد الروسيا، ومقاومة الحركة اليونانية أشد المقاومة، ولكن الدولة العلية أظهرت شكها في نوايا بريطانيا؛ لعلمها بطمعها وجشعها وكراهتها الحقيقية للإسلام. خصوصا وأن سوء قصدها كان قد ظهر باستيلائها على الجزائر اليونانية، وقد جاءت الأيام مبرهنة بأسطع برهان على أن الدولة العلية كانت مصيبة في سوء ظنها بالإنكليز، فقد انقلبت إنكلترا في مسألة الثورة اليونانية ضد الدولة العلية كل الانقلاب، وغيرت كراهتها الأولى لليونانيين بالمحبة العلنية والمساعدة الظاهرة.

ولما علمت النمسا بأعمال الروسيا ومساعداتها لليونانيين بذل وزيرها الأول «مترنيخ» الشهير أقصى جهده لدى القيصر إسكندر الأول؛ ليعيد السكون إلى بلاد اليونان، ويأمر الثورويين بعدم القيام في وجه حكومة المرحوم السلطان محمود، والامتثال والخضوع لأوامر الدولة، وقد أظهر مترنيخ للقيصر إسكندر الأول مقدار الخطر الذي ينتج عن اشتعال نار الفتنة والثورة في بلاد اليونان مبينا له أن تعضيده لثورة اليونان يكون داعيا لانتشار الثورة في كل أنحاء أوروبا ضد الملوك، فأثرت هذه الأقوال على القيصر إسكندر الأول، وأعلن رسميا غضبه وسخطه على إيبسيلانتي، ووجه ملامه لليونانيين ناصحا لهم بالسكينة والانصياع لحكم الدولة العلية.

ولكن هذه التصريحات العلنية لم تكن إلا ترضية وقتية للنمسا التي كانت مضطربة الأحوال؛ لاشتغالها بقمع الثورة الإيطالية التي قامت وقتئذ في وجهها، ولم يرجع القيصر إسكندر الأول عن عزمه؛ بل صار يتظاهر علنا بمحبة السلم والميل إلى الإنصاف مع الدولة العلية، وهو يكمن لها في الباطن السوء والضرر منتظرا الفرص المناسبة .

أما إيبسيلانتي فقد هزمته الدولة هو ورجاله شر هزيمة، واضطر إلى الهروب في ترانسلفانيا حيث قبضت عليه النمسا وسجنته لغاية عام 1827، وقد أسس ثوار اليونان بالرغم عن سقوط إيبسيلانتي في قبضة النمسا مجالس أهلية ومجلسا عموميا لهم كبرلمان يوناني. •••

المسألة الشرقية · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ١٩