ولما كانت النمسا متفقة مع الروسيا على مساعدتها ضد تركيا، أرسل جوزيف الثاني إمبراطور النمسا جيشا عظيما لمحاربة الأتراك والاستيلاء على مدينة «بلغراد» فانهزم جيشه أمام العثمانيين، واضطر للعودة إلى مدينة «تمسوار» ببلاد المجر حيث اقتفى أثره الجيش التركي وهزمه هزيمة عظيمة.
أما الجيش الروسي، فقد استولى في هذه الأثناء على مدينة «أوزي» وبينما الجيش العثماني يقاوم جيش الروسيا والنمسا إذ مات المرحوم السلطان «عبد الحميد الأول» في 7 أبريل سنة 1789، وتولى بعده السلطان الغازي «سليم خان الثالث» حيث أمور الدولة مرتبكة والحرب قائمة على قدم وساق، وقد انتهز الروسيون فرصة انتقال الملك في الدولة العلية، واتحدوا مع النمساويين في الحركات العسكرية، وتولى القيادة العامة قائد واحد، فانتصر الجيشان على جيش الدولة، واستولى الروسيون على مدينة «بندر» واحتلوا جزءا عظيما من بلاد الأفلاق والبغدان وبسرابيا، ودخل النمساويون بلاد الصرب ومدينة بلغراد.
وقد مات حين ذاك جوزيف الثاني إمبراطور النمسا، وعقبه على سرير المملكة النمساوية ليوبولد الثاني، فسعى في عقد الصلح مع الدولة العلية تخوفا من قيام النمساويين بالثورة ضده تقليدا للأمة الفرنسوية التي كانت ثائرة وقتئذ ثورتها الأولى الكبيرة ضد لويس السادس عشر. فعقدت عهدة بين النمسا والدولة العلية في أغسطس سنة 1791 بمدينة «زشتوي» وقد ردت النمسا إلى الدولة العلية بمقتضى هذه المعاهدة بلاد الصرب وبلغراد التي كانت في قبضتها، ولم تخسر الدولة العلية من هذه الحرب مع النمسا خسارة تذكر.
أما الروسيا: فقد استمرت بمفردها على محاربة الدولة العلية حتى توسطت بينهما البروسيا وإنكلترا وهولاندا، فأمضيت بينهما معاهدة بمدينة «ياش» أخذت الروسيا بمقتضاها بلاد القرم نهائيا وبساربيا والبلاد الواقعة بين نهري بوج دينستر ومدينة «أوتشاكوف».
وبذلك انتهت هذه الأزمة الشديدة التي جاءت في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت عنوانا لأزمات شداد توالت بعد بعضها في القرن التاسع عشر. نأتي عليها الواحدة بعد الأخرى.
| المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر
ليس غرضنا أن نأتي في هذا الفصل على تاريخ الدولة العلية في القرن الحاضر، بل على أشهر وأهم أزمات المسألة الشرقية؛ فلذلك نهمل الحوادث الصغار، ونفصل الأزمات الشداد أزمة بعد أخرى. (1) الأزمة الأولى: استقلال اليونان
كل من قرأ تاريخ الدولة العلية يعلم أن المرحوم السلطان الغازي «محمد الثاني» لما فتح الآستانة أمن الناس على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم على أموالهم وأرواحهم ودياناتهم وتقاليدهم، حيث اتبع أوامر الشرع الشريف ونشر راية الاعتدال الديني، فنال اليونانيون من هذه المعاملة الحسنة ما لم يكن يخطر لهم على بال من السعادة والرفاهية، ورأوا من سلطان آل عثمان إكراما لهم واحتراما لدينهم ولرجال دينهم، حتى إنه لما انتخب بطريرقهم بعد فتح الآستانة قال له المرحوم السلطان محمد الثاني: «كن بطريرقا لليونان والله يحميك، وفي كل الأحوال والظروف اعتمد على مساعدتي، وتمتع بكل الامتيازات التي كانت لأسلافك من قبل.»
وقد كانت هذه المعاملة الإسلامية فريدة في نوعها، غريبة في بابها، فإن الكاثوليكيين أنفسهم كانوا يعاملون اليونانيين بالاحتقار والازدراء، ويستحيل على المؤرخين أن ينكروا على محمد الفاتح وعلى المسلمين هذه الصفات العالية والمكارم الجليلة التي ظهرت في الآستانة بعد الفتح كشمس تبدد الظلمات، وآية من أكبر آيات الدين الإسلامي الباهر.
وقد أدى هذا الاعتدال الديني إلى نمو التجارة في أيدي اليونانيين، فصاروا بفضل الدولة العلية وبفضل تساهلها الديني أغنياء أثرياء عائشين في أتم الراحة والهناء، ولكنهم لم يحفظوا للدولة العلية عهدا ولم يرعوا لها نعمة، بل أنكروا المعروف والجميل، وصاروا في الصف الأول من أرباب الدسائس العاملين ضد السلطنة العثمانية، وأضر الآلات لأعداء الدولة في قلبها.