أما فرنسا حليفة النمسا، فكانت تعمل في هذا الحين على مساعدة تركيا بأسطولها مقابل عوض مالي، ولكن «توجوت» سفير النمسا - الذي كان كاتب سرا الحكومة الفرنساوية كجاسوس لها مقابل أجرة شهرية، وكان في الحقيقة يغشها، ولا يخدم إلا مصلحة النمسا وطنه - بذل أقصى جهده من حين علم بهذا المشروع على إحباط مسعى فرنسا، فأبان لرجال الدولة العلية أن مساعدة الأسطول لا تفيد شيئا ما؛ لأن الحرب برية محضة لا بحرية، وأن قصد فرنسا ليس مساعدة الدولة العلية، بل معاداة الروسيا ومد أمد الحرب إلى ما شاء الله. فأفلح «توجوت» واقتنع رجال الدولة بصدق أقواله وصحة أفكاره، ورفضوا مشروع فرنسا.
وقد كان رجال الدولة العلية يؤملون أن اتفاق فرنسا مع الدولة يحمل النمسا - حليفة فرنسا - على مساعدة تركيا، ولكن النمسا كانت تخشى هذا الأمر لما فيه من التقيد لها، ولعلمها بأنها لا تستطيع أن تخدع تركيا إذا كانت فرنسا متحدة معها، بخلاف ما إذا كانت هي المتحدة مع الدولة العلية دون غيرها؛ ولذلك كان فشل مشروع فرنسا مضرا بالدولة العلية مفيدا للنمسا حليفة فرنسا!
ولما فشل مسعى فرنسا عمل «توجوت» على عقد التحالف بين النمسا وتركيا، ومن حسن حظ النمسا وقتئذ أن خضعت تاتار بلاد القرم للروسيا، وصارت كتاتار البسرابي، فاضطرت الدولة بهذا السبب لتعجيل الاتفاق مع النمسا وقبول معاهدة التحالف؛ فأمضت المعاهدة مساء يوم 6 يوليو سنة 1771، وشروط هذه المعاهدة: أن النمسا تتعهد بمساعدة تركيا ضد الروسيا، وعدم سلخ أي جزء من الأملاك العثمانية، والمحافظة على استقلال بولونيا مراعاة لشرف الدولة العلية، وأن تتعهد تركيا بدفع مبلغ 11350000 فلورينو للنمسا - لا 34 مليونا كما طلبت النمسا أولا - أي نحو المليون جنيها، وبالتنازل للنمسا عن أراضي «الأفلاق»، وبمساعدة الرعايا النمساويين في بلاد الدولة العلية على ترويج تجارتهم وصنائعهم، واشترط بين الدولتين المتعاهدتين أن هذه المعاهدة يكتم أمرها خصوصا على فرنسا حليفة النمسا إذ ذاك.
وقد رفع «توجوت» صورة هذه المعاهدة إلى حكومة دولته، وطلب التوقيع عليها.
فلما وصلت صورة المعاهدة إلى «كونيتز» اطمأن من جهة الدولة العلية، وأخذ يهدد الروسيا مؤملا بهذا التهديد حملها على مخابرته في شأن تقسيم الدولة العلية، وقد كان ذلك، وأرسلت الروسيا الكونت «ماسين» حاملا لجملة مشروعات تختص بالدولة العثمانية، ومكلفا من قبل القيصرة بعرضها على «كونيتز»، ومن ضمن المشروعات مشروعان يشتملان على عقد اتحاد بين النمسا والروسيا يكون غرضه الوحيد إخراج الأتراك من أوروبا، وتقسيم الدولة العلية. فالمشروع الأول: يبين صورة تقسيمها بين الدولتين بأن تأخذ النمسا صربيا والبوسنة والهرسك وألبانيا ومقدونيا، ويترك للروسية بقية أملاك الدولة العلية بما فيها الآستانة. وفي المشروع الثاني: تأخذ النمسا الأفلاق وصربيا وبلغاريا والهرسك، وتأخذ الروسيا مقدونيا وألبانيا ورومانيا وقسما عظيما من الأرخبيل وآسيا الصغرى والآستانة، وتأخذ كذلك الروسيا الأراضي الواقعة على شمال الدانوب، وشواطئ البحر الأسود. أما بلاد القرم والمورة فتبقى مستقلة.
والمشروع الثالث: يتضمن بقاء الترك على الشاطئ الشمالي للدانوب، وإعطاء صربيا والبوسنة والهرسك للنمسا، وما على شواطئ البحر الأسود للروسيا، مع استقلال التاتار ... وقدم الكونت «ماسين» غير ذلك مشروعات أخرى تتعلق بتقسيم بولونيا بين الروسيا والنمسا والبروسيا.
وقد اطلعت النمسا على هذه المشروعات كلها، وتباحثت فيها واحدا بعد آخر في وقت كانت تعد فيه متحالفة مع تركيا تحالفا يقتضي رد الروسيا عن أملاك الدولة العلية وبقاء تركيا سليمة كما كانت قبل الحرب والمحافظة على احتلال بولونيا ...