ولما علمت الروسيا بواسطة الإنكليز بأمر طلب الصلح، أرادت أن تعرقل مساعي البروسيا والنمسا، فأمرت الجنرال رومانتسوف بتاريخ 26 سبتمبر سنة 1770 أن يكتب إلى الصدر الأعظم بأن الروسيا مستعدة للمناقشة مع الباب العالي مباشرة في أمر الصلح متى أطلق سراح «أوبرسكوف» سفير الروسيا في الآستانة، وبذلك منعت الروسيا البروسيا والنمسا من التداخل في أمر الصلح مدعية بأن تداخل هاتين الدولتين يدعو لتداخل فرنسا، وهو الأمر الذي ترفضه القيصرة رفضا باتا.
وفي هذه الأثناء استولى الجيش الروسي على مدينة بندر وأكرامان وبرايلا، ولما طال أمر المراسلات بشأن الصلح بين فريدريك وكاترينا كتبت قيصرة الروس إلى ملك بروسيا بتاريخ 20 سبتمبر من السنة نفسها توضح له الشروط التي تشترطها لعقد الصلح، وهي الاستيلاء على أزوف وكاباردا مع استقلال البغدان والأفلاق، أو بقاء هاتين المقاطعتين تحت حكم الروسيا مدة ربع قرن كغرامة حربية، واستقلال ترتار البسرابي والقرم وحرية الملاحة في البحر الأسود والتنازل عن جزيرة للروسيا في الأرخبيل، وعفو عام عن كل اليونانيين الذين ثاروا ضد الدولة العلية أثناء الحرب.
فلما اطلع فريدريك على هذه الشروط اندهش غاية الاندهاش من مطالب الروسيا وأطماعها، وقد حصل وقتئذ أن رئيس أفندي - وهي وظيفة كانت في الدولة العلية بمثابة وظيفة ناظر الخارجية - أخبر سفيري النمسا وبروسيا أن الدولة العلية لا تقبل المخابرة مع الروسيا مباشرة بشأن الصلح، ولكنها تقبل توسط النمسا والبروسيا، وأبلغهما أنه أعلن ذلك للجنرال رومانتسوف.
وقد كتب فريدريك لما اطلع على شروط الصلح المبعوثة إليه من القيصرة إلى أخيه البرنس هنري - الذي كان لا يزال بسان بطرسبورغ - بتاريخ 3 يناير سنة 1771: «لقد اندهشت اندهاشا عظيما لما اطلعت على الشروط التي تقدمها الروسيا للصلح، وأنه يستحيل علي أن أقدمها للأتراك أو للنمساويين؛ لأنها شروط لا يمكن قبولها.» وأبان فريدريك في كتابه لأخيه أن هذه الشروط لا يمكن لدول أوروبا قبولها، وأنها تعتبر إعلان حرب للنمسا، وقد كتب بنفسه للقيصرة بتاريخ 5 يناير سنة 1771 أنها إذا كانت تريد اجتناب الحرب مع النمسا، يجب عليها أن تكتفي بأخذ أزوف والكاباردا وبحرية الملاحة في البحر الأسود.
وفي أثناء ذلك كانت القيصرة كاترينا تتحدث مع البرنس هنري بسان بطرسبورغ في أمر تقسيم بولونيا، فلما كتب البرنس هنري إلى أخيه بذلك سر ملك بروسيا حيث جاء هذا الأمر موافقا لرغائبه، واجتهد في جعل حل المسألة الشرقية في بولونيا فقط لعلمه بما لبقاء الدولة العلية من اللزوم والأهمية، فأراد تقسيم بولونيا على شرط أن الروسيا لا تأخذ البغدان والأفلاق.
وقد جرى عندئذ أن النمسا طمحت لمحالفة تركيا ضد الروسيا، والعمل للاستفادة من هذه المحالفة ولو ضد تركيا نفسها، فبعث «كونيتز» رئيس الوزارة النمساوية إلى المسيو «توجوت» سفير النمسا في الآستانة يأمره بمخابرة رجال الدولة العلية في أمر عقد محالفة بين النمسا وتركيا يشترط فيها أن تركيا تدفع سنويا للنمسا 34 مليونا من الفلورينو، أي فوق الثلاثة ملايين من الجنيهات، وأن تتنازل لها عن «الأفلاق» ومدينة بلغراد، وأن تجعل للنمساويين في ممالك الدولة العلية أهم الامتيازات التجارية، وفضلا عن كل هذه الشروط تقدم للنمسا في حالة الحرب من خمسين إلى ستين ألف مقاتل، وتشترط النمسا على نفسها مقابل ذلك أن تحارب الروسيا مع تركيا إذا لم ترض القيصرة بطريق المخابرات إعادة البلاد التي استولت عليها إلى الدولة العلية.
وقد سعى «كونيتز» عندئذ لدى فريدريك ملك بروسيا أن يبقى على الحياد إذا قامت الحرب بين النمسا والروسيا، ولكن فريدريك اتبع طريق المراوغة فلم يجب بجواب صريح.