تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وغانية خادعة اسمها مريم وهي هذه (يشير إلى مريم)

بقصد رجائه أن يسعى إلى منع الحرب الأندلسي، فأخذت البنت تغازله وهو يغازلها حتى وقع حبها في قلبه، فطلبت منه كما طلب منه نسيم أن يمنع الحرب، فوعدهما بذلك، وأخذ يسعى عند الأمير في منع الحرب، فلم يجب الأمير طلبه، بل دعاكم إليه وأمركم بالاستعداد للسفر، وخيرا ما فعل الأمير، فلما خاب مسعاه أخذ يدبر مع نسيم حيلة لإرجاع الجند، فافتكر نسيم أول الأمر في تسميم الأمير؛ ليكون لعباد حق إرجاع الجيوش، فقبح له عباد هذا الرأي لما فيه من الأخطار، فخطر بباله عندئذ تسميم طارق، فخطأه عباد أيضا، وأتى هو بحيلة دلت على أنه عريق في المكر والخداع، متدرب على الإفساد والإيقاع، وهي أن يصطنع رسالة يسندها إلى السيد محمود رئيس الفرقة الأولى، ويقول فيها: إن طارقا قد مات، والأوفق إرجاع الجنود لاستيلاء الحزن على قلوبهم. فاتفقا عليها وكتبا الرسالة، وقدمها بربري قتله نسيم بعد ما قدمها، حتى لا يعلم للأمر سر، فتكدر الأمير موسى كدرا عظيما لظنه صدق الرسالة، وعزم على اللحوق بالجنود غير ناظر إلى أقوال عباد المختلفة التي دلت في الحال على أنه دسيسة، وبينما الأمير يعزم وعباد يرجوه الرجوع عن عزمه، إذ جاء رسولكم، وقدم خطابكم المبشر بنصركم على عدوكم، فسر كل المسلمين لذلك وخصوصا الأمير الذي وقعت شبهته في عباد، لا سيما عندما علم بموت الجندي الذي جاء بالرسالة الأولى، فسجنه وأتى بجيشه إلى هنا حيث قابلكم، والسلام. (دهشة عظيمة، وسرور عام، وغوغاء ضعيفة، ونظر شذر من الحضور إلى الخائنين، واصفرار شديد في وجه هؤلاء.)

موسى - الخائنين :

إلى هذا تخونون وتظنون أننا عنكم نائمون، والله لأجعلنكم عبرة الأيام، وحديث أبناء الزمان مدى الأعوام.

أحد الحاضرين - موسى :

نعم، إن مثل هؤلاء المجرمين والغادرين الخائنين لأحق المذنبين بأشد العقاب وأقساه وأجدرهم بأن يكونوا أول الزمان مثلا للغدر والخيانة والكفران بالنعمة.

الحضور :

لا شك في ذلك.

موسى - الحضور :

يا قوم قد ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، انظروا - أعانكم الله على نصرة دينكم - إلى الحوادث التي مرت أمام أعيننا من يوم شكاية يليان إلى الآن، إن فيها لتبصرة وتذكرة لأولي الألباب؛ منها تعلمون أن كل ملك ضعف رأي الشعب فيه، وتولاه رجل لا يرعى للمكارم مقاما، ولا يحسب للشرف حسابا يضيع كما ضاع ملك الأندلس من يد لذريق الذي كثر فسقه وفجوره، وعم فساده حتى اشتكى منه العالم والجاهل، والكبير والصغير من شعبه وأهل بلاده، واستسلم جميعهم لنا على أننا نخالفهم دينا وعادة وخلقا، ومن تلك الحوادث تعلمون مزية الحزم والعزم والتثبت في الأمور وعدم الإسراع، تلك الصفات التي امتازت بها الأمة الإسلامية عن غيرها، مما رفعها عن سواها منزلة واعتبارا، ومنها تعلمون أيضا - حفظهم الله - كيف أن الغرام يلعب بعقول الرجال كما لعب حب مريم بعقل عباد، وكيف أن الدخلاء أمثاله هم أشد الأعداء ضررا بالأمة الذين يدخلون عليها، وحسبكم دليلا على ذلك أن هذا اللئيم الذي أفضنا عليه من أنعمنا ما جعله في عداد رجال الدولة المعدودين وعظمائها المحسوبين قد كان يضر بدولة كدولتنا بنيت على أساس متين، وغير ما ذكرت تقرءون في صفحات هذه الحوادث ما لعظماء الرجال في الأمم من جليل الأعمال مما نأخذ له مثلا ما أتى به طارق، فإنه دل حقيقة على أنه خادم الإسلام الصادق، وفارسه الجدير بأن يكون مثلا لجميع الفرسان في سائر الأزمان (يقول ذلك ويلتفت لطارق) .

موسى - طارق :

لك من أمتك يا طارق أعظم الشكر على ما أديت لها من الخدمة الجليلة وما أوليتها من الشرف العظيم، وإني لأقر على رءوس الأشهاد بعجزي عن توفيتك حقك من الثناء والإجلال. وكفاك مجدا أنك أول مسلم ملك الأندلس وجلس على كرسيه.

فتح الأندلس · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح الأندلسص ١١