تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقبل موت الملك الصالح نجم الدين أيوب بمديدة يسيرة وهو نازل على المنصورة، تغير على بهاء الدين زهير، وأبعده لأمر لم يطلع عليه أحد. قال: حكى لي البهاء زهير أن سبب تغيره عليه: أنه كتب عن الملك الصالح كتابا إلى الملك الناصر داود صاحب الكرك، وأدخل الكتاب إلى الملك الصالح ليعلم عليه على العادة؛ فلما وقف عليه الملك الصالح كتب بخطه بين الأسطر: «أنت تعرف قلة عقل ابن عمي، وأنه يحب من يصله ويعطيه من يده، فاكتب له غير هذا الكتاب ما يعجبه»، وسير الكتاب إلى البهاء زهير ليغيره والبهاء زهير مشغول، فأعطاه لفخر الدين إبراهيم بن لقمان، فأمره بختمه فختمه وجهزه إلى الناصر على يد نجاب ولم يتأمله، فسافر به النجاب لوقته، واستبطأ الملك الصالح عود الكتاب إليه ليعلم عليه، ثم سأل عنه بهاء الدين زهيرا بعد ذلك وقال له: ما وقفت على ما كتبته بخطي بين الأسطر؟ قال البهاء: ومن يجسر أن يقف على ما كتبه السلطان بخطه إلى ابن عمه؟! وأخبره أنه سير الكتاب مع النجاب؛ فقامت قيامة السلطان، وسيروا في طلب النجاب فلم يدركوه، ووصل الكتاب إلى الملك الناصر بالكرك، فعظم عليه وتألم له.

ثم كتب جوابه إلى الملك الصالح وهو يعتب عليه فيه العتب المؤلم ويقول له فيه: «والله ما بي ما يصدر منك في حقي، وإنما بي اطلاع كتابك على مثل هذا.» فعز ذلك على الملك الصالح وغضب على بهاء الدين زهير، وبهاء الدين لكثرة مروءته ينسب ذلك إلى نفسه، ولم ينسبه لكاتب الكتاب وهو فخر الدين بن لقمان - رحمه الله تعالى.

قال: وكان الملك الصالح كثير التخيل والغضب والمؤاخذة على الذنب الصغير، والمعاقبة على الوهم، لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة.

ويلاحظ أن ديوان البهاء زهير خلو من رثاء الملك الصالح وخلو من مدائحه إلا قليلا.

كان بهاء الدين زهير كاتب ديوان الإنشاء في عهد الملك الصالح أو كاتب السر، وديوان الإنشاء في عهد الدولة الأيوبية كان عظيما معتنى به، وكان لا يتولاه إلا أجل كتاب البلاغة، ومتولي رتبة كتابة السر أعظم أهل الدولة.

ومن وظيفة كاتب السر قراءة الكتب الواردة على السلطان، وكتابة أجوبتها، والجلوس لقراءة القصص بدار العدل، والتوقيع عليها، وتصريف المراسيم صدورا وورودا.

وكانت تجمع كتابة السر إلى الوزارة تارة، كما فعل ذلك صلاح الدين الأيوبي مع القاضي الفاضل، وتفصل عنها أخرى كما استمر عليه العمل بعد القاضي الفاضل.

ويقول بعض المؤلفين: إن بهاء الدين زهيرا كان وزيرا للملك الصالح نجم الدين أيوب ويلقبونه بالصاحب بهاء الدين زهير. والصاحب لقب للوزير إذا كان من أرباب الأقلام، على أن بهاء الدين زهيرا وإن لم يكن وزيرا فقد كانت رتبته، وهي رياسة ديوان الإنشاء، تقاسم الوزارة جاهها ومجدها في عهد الأيوبيين، وربما كانت أوفى منها مجدا وجاها. ومع هذه المكانة العالية؛ فإن البهاء زهيرا مات فقيرا، وفي آخر عمره - كما في تاريخ أبي الفداء وتاريخ ابن الوردي - انكشف حاله حتى باع موجوده وكتبه وأقام في بيته بالقاهرة حتى أدركه أجله. وأجمع المترجمون له على أنه كان ذا مروءة ولطف ومكارم أخلاق، وقد كان متمكنا من صاحبه الملك الصالح، ولا يتوسط عنده إلا بالخير، ونفع خلقا كثيرا، وبلغ من الرفعة ما لم يبلغه غيره.

والقارئ لشعر البهاء زهير يحس بما في نفس الشاعر من رقة وحسن ذوق، وبعد عن الشر والأذى، ومما يدل على لطف روحه أنه قلما يهجو بغير الوصف بالثقل، فيقول:

وثقيل كأنما

ملك الموت قربه

ليس في الناس كلهم

من تراه يحبه

لو ذكرت اسمه على الما

ء لما ساغ شربه

ويقول:

وجليس ليس فيه

قط مثل الناس حس

لي منه أينما كن

ت على رغمي حبس

ما له نفس فتنها

ه، وهل للصخر نفس

إن يوما فيه ألقا

ه ليوم هو نحس

ويقول:

رب ثقيل لبغض طلعته

أخشاه حتى كأنه أجلي

البهاء زهير · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البهاء زهيرص ٧