من النفاق (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، واذا وعد أخلف، واذا أؤتمن خان) فلا جرم يعقب اخلاف العهد، والكذب على الله نفاقا داخلا في قلوب تلك الطائفة التي تشير إليها الآية .. فهذا النفاق الذي لبسهم، وأشتمل عليهم، وأصبح بعضا منهم، هو الثمرة الخبيثة التي أثمرها اخلافهم وعدهم لله، وقولهم بألسنتهم مالي في قلوبهم، وهم يحسبون أن الله محدود القدرة محدود العلم، وأنه اذا لم يشهد شهود عيان.
هذا الجهد الذي عاهدوه عليه لم تقم عليهم حجة، وكان لهم أن بمكروا به وينكروا العهد الذي أعظوه من أنفسهم له ال ..
وهذا عدوان على الله أوقعهم فيه سوء فهمهم وتقديرهم لجلال الله وعظمته وقدرته وعلمه، ولهذا أنكر الله عليهم سوء ظنهم به وخطأ تصورهم لكمال صفاته .. (ألم يعلموا أن الله بعلم سرهم ونجواهم (1) وأن الله علام الغيوب ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يعانون غير ما بسرون، ويقولون مالا يفعلون ويتناجون فيما بينهم بالاثم والعدوان ولمز الرسول. وهم بدعون الايمان. أن الله مطلع على السرائر الكامنة في أعماق قلوبهم، عائم بما يدور بينهم من أحاديث بخصون بها في خفية عن الناس وأن الله يعلم الغيب الخافي المستور، فيعلم حقيقة النوايا في الصدور: (لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) (19) (بعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) (*). ولقد كان من مقتضي علمهم بهذا الا يستخفوا من الله بنية، وألا تحدثهم نفوسهم با خلاف ما عاهدوا الله عليه، والكذب عليه فيما يعاهدونه به وعلى الناس فيما يحلفون عليه بإسمه
قصة ثعلبة وقد وردت روايات عن سبب نزول الآيات الثلاثة، نذكر منها روابة عن ابن جرير وابن أبي حاتم) من حديث معان - باسناده عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري (72) أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أدع الله أن يرزقني مالا، قال: فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم (ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه) قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: (أما ترضى ان تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت) قال: والذي بعثك بالحق لأن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أرزق ثعلبة مالا) قال: فاتخذ غنما فتمت كما ينمى الدود (")، فضافت المدينة، فتحي عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل بصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي كما ينمي السدود، حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقي الركبان يوم الجمة يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، أتخذ غنم فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة، با وبح ثعلبة وانزل الله جل ثناؤه (خذ من أموالهم صدقة) الآية، ونزلت فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة من المسلمين رجلا من جهينة ورجلا من سليم،