عليه وسلم قال: (أنا الضحوك القتال) أي ضحوك في وجه وليه قتال تهامة عدوها وإنما أمروا بالغلظة مع كونها طبيعية، لتقييد ما أمروا به في الأحوال العامة من الرفق والعدل والبر في معاملة الكفار حتى صار ذلك من أخلاق الإسلام ..
وأعلموا عند فتالكم إياهم أن الله معكم وهو ناصركم عليهم، فليكن أقدامكم على الجهاد والقتال به سبب تقوى الله، لا بسبب طلب المال والجاه فإن اتقيتم الله وخفنوه بأداء فرائضه واجتناب معامية، ومراعاة أحكامه وسننه فإن الله ناصر من أتقاه ومعيته، وأهمها ما يجب انقاؤه في الحرب من التقصير في أسباب النصر والغلب التي بينها في كتابه والتي تعرف بالعلم والتجارب، كإعداد ما بستطاع من قوة، والصبر والثبات والطاعة والنظام وترك التنازع والاختلاف، وكثرة ذكر الله والتوكل عليه فيما وراء الأسباب.
خطة حركة ومداها
ومما هو جدير الذكر والتنبيه أن هذه الآية قاعدة من قواعد القتال الذي نزلت أهم قواعده وأحكامه في هذه السورة .. |
فهي السورة الأخيرة في أحكام القتال المتضمنة للقواعد النهائية في هذا الباب، وأن هذه الآية أيضا تضح خطة الحركة الجهادية ومداها كذلك، وهما الخطة والمدي اللذان سار عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده بصفة عامة فام نشد منها إلا حالات كانت لها مقتضيات رائعة، فأما خطة الحركة الجهادية التي تشير إليها الآية فقد سارت عليها الفتوح الإسلامية، تواجه من بلون (دار الإسلام) ويجاورونها، مرحلة فمرحلة، فلما أسلمت الجزيرة العربي - أو كادت ولم يبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف قوة يخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة " كانت غزوة تبوك على اطراف بلاد الروم، ثم كان السياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس، فلم يتركوا ورائهم حبوبا، ووحدت الرقعة الإسلامية، ووصلت حدودها، فإذا هي كتلة ضخمة شاسعة الأرجاء متماسكة الأطراف .. ثم لم يأتها الوهن فيما بعد إلا من تمزقها، وإقامة الحدود المصطنعة فيما بينهما على أساس ملك البيوت، أو على أساس القوميات وهي خطة عمل أعداء هذا الدين على التمكين لها جهد طاقتهم، وما يزالون يعملون، وستظل هذه الشعوب التي جعل منها الإسلام (أمة واحدة في دار الإسلام المتصلة الحدود - وراء فواصل الأجناس واللغات والأنساب والألوان - ستظل ضعيفة مهيضة إلا أن تتوب إلى دينها، وإلى رايته الواحدة، وألا أن تتبع خطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدرك أسرار القيادة الريانية التي كفلت لها النصر والعزة والتمكين لقد ظل الأمر في خلال القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم يزل الأعداء في سفال وخصار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك والرؤساء طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها فلم يمنعوا لشغل الحكام بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة ثم لم يزالوا حتى استحونوا على كثير من بلاد الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، فكلما قام حاکم من حكام الإسلام وأطاع أوامر الله وتوكل على الله فتح الله عليه من البلاد