تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبشرين، يعظون الناس في المساجد، ويدعونهم إلى مذاهبهم ومسالكهم بالخطب والمقالات اليس الا ليس الأمر كذلك! وانما هو حزب أنشأه الله ليحمل لواء الحق والعدل بيده، ويكون شهيدا على الناس، ومن مهمته التي ألقيت على كاهله من أول يوم أن يقضى على منابع الشر والعدوان، ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض والإستقلال الممقوت، وأن يكبح جماح الألهية الكاذبة، الذين تكبروا في أرض الله بغير الحق، وجعلوا أنفسهم أربابا من دون الله، ويستأصل شأفة الوهبتهم، ويقيم نظاما للحكم والعمران صالحا يتفيأ ظلاله القاصي والداني والغنى والفقير .. وإلى هذا المعنى اشار الله تعالى في غير واحدة من أية ذكر الحكيم: وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" ... [الأنفال: 38)، " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» [التوبة:22)

فتبين من كل ذلك أن هذا الحزب لابد له من امتلاك ناصية الأمر، ولا مندوحة له من القبض على زمام الحكم، لأن نظام العمران الفاسد لا يقوم الا على أساس حكومة مؤسسية على قواعد العدوان والفساد في الأرض، وكذلك ليس من الممكن أن يقوم نظام الحكم صالح ويؤتي أكله الا بعد ما ينتزع زمام الأمر من أيدي الطفاة المفسدين، ويأخذوه بأيديهم رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا بريدون علوا في الأرض ولا فساد

واضف إلى ذلك أن هذا الحرب، بصرف النظر عما برمي إليه من اصلاح العالم، وبث الخير والفضيلة في انحاء الأرض كافة، لا يقدر أن يبقى ثابتا على خطنه، متمسكا بمنهاجه، عاملا وفق مقتضياته ما دام نظام الحكم قائما على أساس أخر، سائرا على منهاج غير منهاجه

وذلك أن حزيا مؤمنا بمبدأ ونظام للحياة والحكم خاص، ولايمكن أن يعيش متمسكا بمبدئه عاملا حسب مقتضاه في ظل نظام للحكم مؤسس على مبادئ وغابات غير المبادئ والغايات التي يؤمن بها، ويريد السير على منهاجها، فإن رجلا يؤمن بمبادئ الشيوعية، وأن اراد أن يعيش في بريطانيا أو المانيا، متمسكا بمبدئه، سائرا في حياته على البرنامج الذي تفرزه الشيوعية، فلن يتمكن من ذلك أبدا لأن النظم التي تقررها الرأسمالية أو الفاشية تكون مهيمنة عليه، قاهرة بما أوتيت من سلطان، فلا يمكن أن يتخلص من براثها أصلا .. وكذلك أن اراد المسلم أن يقضي حياته مستقلا بنظام للحكم منافض لمبادئ الأسلام الخالدة ويود أن يبقى متمسكا بمبادئ الإسلام، سائرا وفق مقتضاه في أعماله اليومية، فلن يتسنى له ذلك، ولا يمكنه أن بنجع في بغيته هذه أبدا. إن القوانين التي يراها باطلة، والضرائب التي يعتقدها غرما ونهبا لأموال الناس، والقضايا التي يحبها جائزة عن الحق وافتتئاتا على العدل، والنظم التي بعرف انها مبعث الفساد في الأرض ومناهج التعليم التي يجزم بوخامة عاقبتها وسوي نتائجها، ويرى فيها هلاكا للأمة .. بجد كل هذه مهيمنة عليه، ومسيطرة على بيئته وأهله واولاده، بحيث لا يمكنه أن يتخلص من قيودها وينجو بنفسه وأهله من اثرها ونفوذها. فالذي يؤمن بعقيدة ونظام فرد اكان أوجماعة- مضطر بطبيعة عقيدته وايمانه بها ان يسعى سعيه في القضاء على نظم الحكم القائمة على فكرة غير فكرته، ويبذل الجهد المستطاع في اقامة

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٦١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٦١١