تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد الا الله، ولا تشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله (آل عمران: 64)
فهذه دعوة إلى انقلاب عالمى شامل، لا غموض فيها ولا ابهام، فإنه قد نادي بملء صوته:
أن الحكم إلا الله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ..... (يوسف: 40)
فليس لأحد من بني آدم أن ينصب نفسه ملكا على الناس ويسيطروا عليهم، بأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يريد، ولا جرم أن استقلال فرد من أفراد البشر بالأمر والنبي من غير أن يكون له سلطان من الملك الأعلى، هو تكبر في الأرض على الله بغير الحق، وعنو عن أمره وطموح إلى مقام الألوهية (14) والذين يرضون أمثال هؤلاء الطواغيت لهم ملوكا وأمراء انها يشركون بالله، وذلك مبعث الفساد في الأرض، ومنه تنفجر ينابيع الشر والطغيان.
إن دعوة الإسلام إلى التوحيد، وعبادة الله الواحده لم تكن قضية كلامية أو عقيدة لا هوتية فحسب، شأن غيره من النحل والملل بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي - S
cial Reovlution ارادت في أول ماارادت أن تقطع دابر الذين تسلموا ذروة الألوهية، واستعبدوا الناس بحيلهم ومايدهم المختلفة، فمنهم من تبوأ مناصب السدنة والكهان، ومنهم من استأثر بالملك والأمرة، وتحكم في رقاب الناس، ومنهم من استيد بمنابع الثروة وخبرات الأرض، وجعل الناس عالة عليهم ليتكففون ولا يجدون ما ما يتبلغون به .. فأرادت دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعا وتستأصل شأفتهم استئصالا وهؤلاء تارة تسنموا قمة الألوهية جهرا وعلانية وارادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا لأمرهم، وينقادوا لجبروتهم، مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها عن آبائهم، أو استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها، فقالوا: |
أما علمت لكم من إله غيري .. و أنا ربكم الأعلى .. وأنا احيي واميت ومن أشد منا قوة' .. إلى غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التي تقوموا بها وتجاسروا عليها بغيا وعدوانا، وطورا استقلوا جهل الدهماء وسفههم، فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل الهة بدعون الناس ويريدونهم على أداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل متوارين بأنفسهم من ورائها، يلعبون بعقول الناس، ويستعبدونهم لاغراضهم وشهواتهم وهم لايشعرون (1)
فيتبين من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد، وأخلاص العبادة لله الواحد الأحد، وبتشديده بالكفر واشرك بالله، واجتناب الأوثان والطواغيت ..
كل ذلك يتنافى ويتعارض مع الحكومة والعاملين عليها المتصرفين في أمورها، والذين يجدون فيها سندا لهم، وعونا على قضاء حاجاتهم وأغراضهم .. ومن ثم ترى أنه كلما قام نبي من الأنبياء يجاهر الناس بالدعوة وخاطبهم قائلا: "با قوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره .. قامت في وجهه الحكومات المتمكنة في عصره وثار عليه جميع من كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها
ظلما وعدوانا .. خرجت تقاومه، وتضع في سبيل الدعوة العقبات، وذلك أن هذه الدعوة لم تكن مجرد بيان لعقيدة كلامية، أو شرح لمسألة من مسائل الالهيات Metaphysical proposition وانما
119