تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحداث انقلاب عقلي وفكري بواسطة مرهفات الأقلام نوع من أنواع الجهاد، كما أن القضاء على نظم الحياة العتيقة الجائرة جمد السيوف، وتأسيس نظام جديد على قواعد العدل والنصفة أيضا من أصناف الجهاد. كذلك بذل الأموال، وتحمل المشاق، ومكابدة الشدائد أيضا فصول وأبواب مهمة من كتاب (الجهاد) العظيم

"لكن الجهاد الإسلامي ليس بجهاد لاغاية له، وإنما هو الجهاد في سبيل الله، وقد لزمه هذا الشرط لا بنفك عنه أبدا، وذلك أيضا من الكلمات التي اصطلح عليها الإسلام لتبين فكرته وابضاح تعاليمه، كما أشرت إليه آنفا. وقد انخدع كثير من الناس بمدلوله اللغوي الظاهر، وحسبوا أن اخضاع الناس العقيدة الإسلام واکراههم على قبولها هو "الجهاد في سبيل الله وذلك أن ضيق صدورهم وعدم اتساع مجال تفكيرهم بعونهم أن يسموا بأنفسهم فوق ذلك ويحلقوا في سماء أوسع بكثير مما يتصورون، واسمى غاية وأبعد مراما مما يظنون ويزعمون.

فالذي يتطلبه الإسلام أنه إذا قام رجل، أو جماعة من المسلمين، تبذل جهودها، وتستنفد مساعيها للقضاء على النظم البالية الباطلة، وتكوين نظام جديد حسب الفكرة الإسلامية فعليها أن تكون مجردة عن كل غرض، مبراة من كل هوى أو نزعة شخبة، لا تقصده من وراء

جهودها، ما تبذل في سبيل غايتها من النفوس والنفائس الأ تأسيس نظام عادل بنوم بالقسط والحق بين الناس، ولا تبتغي بها بدلا في هذه الحياة الفانية، ولا يكون من هم الإنسان خلال هذا الكفاح المستمر والجهاد المتواصل لاعلاء كلمة الله أن ينال جاها وشرفا أو سمية وحسن أحدوثة، ولا يخطرن بباله أثناء هذه الجهود البالغة والمساعي الغالية أن يسمو بنفسه وعشيرته، ويستبد بزمام الأمر، وينبوا منصب الطواغيت الفجرة، بعدما ينزل غيرها من الجبابرة المستكبرين عن مناصبهم، وها هوذا القرآن الكريم ينادي بملء صوته |

الذين أمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت (النساء:79)

وقد تضمنت الآية الكريمة: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة:21) الباب هذه الدعوة، دعوة الإسلام الانقلابية، وجوهرها، فإنه لا بخاطب سكان هذه الكرة باسم العمال، أو الفلاحين، أو الملاكين، أو المتمولين من أصحاب المعامل والمصانع، ولا يسميهم بأسماء أحزابهم وطبقاتهم. وأنما يخاطب الإسلام بني آدم كافة، ولا يناديهم كذلك الا بصفة كونهم أفراد الجنس البشري. فهو يأمرهم أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا، ولا يتخذوا الها ولا با غيره، وكذلك يدعوهم الا يعتوا عن أمر ربهم، ولا بستنكفوا عن عبادته، ولا بتكبروا في أرض الله بغير الحق، فإن الحكم والأمر لله وحد، وبيده مقاليد السماوات والأرض، فلا يجوز لأحد من خلقه، كائنا من كان، أن يعلو في الأرض وبنكبر، ويقهر الناس

حتى يخضعوا له وبذعنوا لأمره وبنقادوا لجبروته. ودعوته نهم جميعا أن يخلصوا دينهم لله وحده فيكونوا سواء في هذه العبودية الشاملة، كما ورد في التنزيل:

11

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٦٠٨