وحاصلة أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكانه جوز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه، وقيل: إن الإستغفار بتنزل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربه حاجة فسؤاله اياه بتنزل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلبا تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلق العلم بعدم نفها، لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لفرض حصولها، بل لتعظيم المدعو فردا تعذرت المغفرة موض الداعي عنها ما يليق به من الثواب أو دفع السوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعو لهم تخفيف، كما في قصة أبي طالب.
هذا معنى ما قاله ابن المنير، وفيه نظر، لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة ان يستحيل المغفرة له شرعا، وقد ورد انکار ذلك في قوله تعالى (ماكان للنبي، والذين آمنوا أن يتسغفروا للمشركين).
وقع في أصل هذه القصة اشكال اخر: وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أطلق أنه خير بين الاستغفار لهم وعدمه بقوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) وأخذ بمفهوم العدد من السبعين فقال: «سازيد عليها، مع أنه قد سبق قبل ذلك بمدة طويلة نزول قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربي) فإن هذه الآية. كما سيأتي في تفسير هذه السورة فريبا. نزلت في قصة أبي طالب حين قال صلى الله عليه وسلم والأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقا .. وقصة عبد الله بن أبي هذه هي السنة التاسعة من الهجرة كما تقدم، فكيف يجوز مع ذلك الإستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟
وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا حاصله: أن المنهي عنه استغفار ترجي اجابته، حتى يكون مقصوده معصية المتعثرة لهم، كما في قصة أبي طالب، بخلاف الإستغفار لمثل عبد الله بن ابي، فإنه استغفار اقصد تطيب قلوب من بقي منهم .. وهذا الجواب ليس بمرضي عندي
ونحوه قول الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: كيف خفي على أفصح الخلق وأخبرهم بأساليب الكلام ونمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الإستغفار ولو كثر لا بجدى، ولا سيما وقد تلاه قوله: (ذلك بانهم كفروا بالله ورسوله) فيين الصارف عن المغفرة لهمة
قلت لم يخف عليه ذلك ولكنه فعل ما فعل وقال ما قال اظهارا لغاية رحمته ورافنه على من بعث إليه، وهو كقول إبراهيم عليه السلام: «ومن عصاني فإنك غفور رحيم، وفي اظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة المذكورة لطف بأمته وباعثة على رحمة بعضهم بعضاء
وقد تعقبه بن المنير وغيره وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول، لأن الله أخبره أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان لا يغفر لهم فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا بقع من النبي صلى الله عليه وسلم،.
ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرا للإسلام، لاحتمال أن يكون معتقده صحيحا، وهذا جواب جيد.