فماذا يكون منهم اذا كشف الله مابهم من ضر، وصرف عنهم العوز والفقر، ووسع لهم في الرزق وأفاء عليهم من فضله؟ هنا يغلب عليهم طبعهم اللئيم فإذا هم على طريق النفاق قد تنكروا لوعودهم ونقضوا عهودهم التي عقدها مع الله وتحللوا من الوفاء بها.
فلما أتاهم من فضله ما لبثوا أن بخلوا بما آتاهم عقب حصوله، وضنوا بهذا الفضل الذي هو من عند الله على الأنفاق في سبيله، وأدركهم الشع، وقبضوا أيديهم فلم ينصدقوا بشيء منه، وانصرفوا عن الاستعانة به على الطاعة، وإصلاح حالهم وحال أمتهم بما عاهدوا وأقسموا .. ولم يكن توليهم هذا أمرا عارضا شغلهم عنه شاغل بزول بزواله، بل (تولوا وهم معرضون) بكل قواهم عن الوفاء بما عاهدوا من الصدفة والعمل الصالح، فكان الأعراض صفة راسخة فيهم، وعادة لهم، بحيث اذا ذكروا بما يجب عليهم لا يذكرون، واذا دعوا إليه لا يستجيبون
وقد وصفهم الله تعالى بصفات ثلاثة: البخل وهو منع الحق، والتوني عن العهد، والأعراض عن تكاليف الله وأوامره، فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سببا في التمكين النفاق في قلوبهم والموت على هذا النفاق ولقاء الله به .. (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه)) ..
أي فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك كفرا مضمرا ونفاقا راسخا في قلوبهم متمكنا منها لازما لها .. لقد ثبتهم النفاق وركب معهم الطريق الذي ركبوه مبعدين عن الله مطرودين من رحمته وسيصحبهم هذا النفاق إلى يوم القيامة يوم لقاء الله عزو وجل للحساب والجزاء، حيث يطلع علبهم هذا النفاق بوجهه الكالح الكريه ليقف معهم بين يدي الله، وليكون شاهد ادانتهم ورفيق طريقهم إلى عذاب السعيره
وإنما كان هذا العقاب لأن النفاق بلغ المنتهى الذي لا رجاء معه في التوبة، ذلك (بما اخافوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذيون 17) فذكر سببين هما أخص صفات المنافقين وأظهر الآبات الدالة على نفاقهم: اخلاف الوعد والكذب .. فكيف اذا كان الوعد الله تعالى مع العهد والقسم
والنفس البشرية ضعيفة شحيحة الا من عصم الله، ولا تطهر من هذا الشح الا أن تعمر بالإيمان وترتفع عن ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب لأنه تؤمل في خلف أعظم، وتؤمل في رضوان من الله أكبر .. والقلب المؤمن بطمئن بالإيمان، فلا بخشي الفقر بسبب الانفاق لأنه يثق بأن ماعند الناس بنقد وما عند الله باق، وهذا الألمان يدفع به الى النفاق المال في سبيل الله تطوعا ورضي وتطهرا وهو آمن منبنه فحتى لو فقد المال وافتقر منه فإن له عوضا أعظم عند الله ..
فأما حين بفقر القلب من الايمان الصحيح فالشع القطري في نفسه كلما دعى إلى نفقة او صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولا فرار ..
والذي بعاهد الله ثم يخلف العهد، والذي يكذب على الله فلا يفي بما وعد، لا يسلم قلبه
478
478