تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر فإن للموت عندهم رهبة رهيبة مسلطة عليهم مع كل نفس يتنفسونه في هذه الدنيا فما الموت عندهم إلا الفناء الأيدي والضباع في تبه العدم، والفرق في بحار الظلام الأبدي (ولنجدتهم أحرص الناس على حياة ومن الذين اشركوا بود أحدهم لو بعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) ") فهذا هو العذاب الدنيوي الذي يعذب به الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وإنما يعذبون بأيديهم، وبما يجمعون من مال، وما يستكثرون من أولاد .. وانهم كلما كثر مالهم وكثر أولادهم كلما اشتد عذابهم وتضاعف بلاهم بما يعرض لهم فيها من المنغصات والحسرات.

أما الأموال الخوف فواتها، ولحزن فراقها، ولضياع الوقت في كسبها، والمحافظة عليها فإنهم يكابدون في جمعها المتاعب وبقاسون في حفظها، والحرص عليها الشدائد والمصائب وليس عندهم من الإعتقاد بثواب الله ما يهون عليهم ما بجدونه، ويشق عليهم ما ينفقون منها في وجوه البر من زكاة وإعانة على جهاد واتفاق على قريبة من المؤمنين، وهم غير طيبي النفس، ولا معتقدين الثواب على ذلك ولا راجين من الله جزاء ولا من الأخذ منه حمدا ولا شكرا على ضجر منهم وكره، واشق منه اعتقادهم أنهم يتركونها بعدهم لمصالح المسلمين، لأن ورثتهم عنهم في الغالب حتى زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبي لعنه الله.

وأما الأولاد فلأنهم يرونهم قد نشأوا في الإسلام واطمأنت به قلوبهم، وإنهم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وقد يقتلون في الغزو، فيجزعون حيث لا يعتقدون بالشهادة .. وكل هذه حسرات في قلوبهم، وكل هذه عذاب الدنيا (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)) فهم بهذا أحق بالرثاء منهم من أن يكونوا موضع قدوة واعجاب، فإذا كان الأمر كذلك وكان هذا شأنهم في مظنة ما ينتفعون به من أموالهم لا يقبل منهم صرف ولا عدل (فلا تعجبك أيها الرسول أو أيها السامع أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم التي هي في نفسها من أكبر النعم وأجلها، ولا تسر من حالهم، ولا يروقك من ذلك فإنه استدراج لهم ووبال عليهم، ولا تظن أنهم وقد حرموا ثوابها في الآخرة قد صفا لهم نعيمها في الدنيا ونظره (ولا تمنن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه". وفي الحديث «ثلاث مهلكات،، شع مطاع، وهوي منبع، واعجاب المرء بنفسه، وهلك المكثرون، «وهل لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيته.

وقوله تعالى (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) عطف على (ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) بمعنى أن هذا الذي في أيديهم من كثرة الأموال والأولاد إنما جعله الله ليكون مصدر عذاب وبلاء لهم في الدنيا، ولتزهق أنفسهم وتخرج من هذه الدنيا على كره، وهم في لجاج في الكفر واغراق في الضلال، إذ لم يدع لهم تعلقهم بالأموال والأولاد فرصة بفكرون فيها في الله وفي الإيمان به واليوم الآخر، فكل همهم هو هذه الأموال وأولئك الأولاد فإذا نزل بهم الموت اشند کربهم، وامسكوا بالحياة في ذعر وجنون، فهم يعذبون بها في الآخرة أشد مما عذبوا بها في الدنيا لموتهم على كفرههم المحبط لعملهم، والتعبير وتزهق أنفسهم) يلقى ظل الفرار لهذه النفوس أو الهلاك، ظلا مزعجا لا هدوء فيه ولا اطمئنان فينسق هذا الظل مع طل العذاب في

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه) · الصفحة ٣٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موقف القرآن من خصومه .. (رسالة الدكتوراه)ص ٣٧٨