واستقامة، يأتونها کسالي، لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير، إنما يدفعون إليها دفعا فيحسون أنهم عليها مسخرون، لا تنشط لها أبدانهم، ولا تنشرح لها صدورهم، ذلك بأنهم لا يرجون على الصلاة ثوابا، ولا يخشون في تركها عقابا .. ان كان أحدهم في جماعة صلى، وان اتفرد لم يصل (براؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)) فالنفاق. لا محالة. بثقل البدن ويورث الكسل في العبادة، فعلى كل مسلم أن يحاسب نفسه هل صلاته صلاة المؤمنون أم صلاة المنافقين؟؟
وكذلك الشأن فيما ينفقون في سبيل الله .. إنهم لا ينفقون عن إيمان بالله وبرسوله وبالجهاد في سبيله، ولكنهم ينفقون حين لا يكون بد من الاتفاق، حتى لا يفتضح أمرهم وينكشف نفاقهم: (ولا يتفقون الا وهم كارهون) كراهة دائمة لازمة لهم، غير طبية أنفسهم بها. فإن أنفقوا أمر ولا إلزام من الرسول بل طوع أنفسهم فهم أيضا کارمون كرامة قلبية لاتفاقهم، ومع الإلزام من باب أولى كارهون مكرهون، لأنهم بعد ون هذه النفقات مغرما، ومنعها مننما .. برونها مغارم مضروبة عليهم تقوم بها مرافق المؤمنين، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم ليسوا منهم، فلا يرون لهم به نفعا في الدنيا، ولا يؤمنون بنفعها لهم في الآخرة.
فتبين أن هؤلاء المنافقين ليس لهم قدم صحيح ولا همة في العمل، وقد أخبر الصادق المصدوقي أن الله لا يمل حتى تملوا، وان الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملا، لأنه إنما يتقبل من المتقين، ومما كان الله ليتقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدوا إليها عقيدة، ولا يصاحبها شعور دافع، فالباعث هو عمدة العمل، والنية هي مقياسة الصحيح.
ومن سمات هؤلاء المنافقين أنهم يتتبعون السهل اليسير من الطاعات فيعملونه، ويتركون ما هو شاق أو ما يخيل إليهم انه شاق، وهذا خطأ وهو شائع بين كثير من المسلمين .. فمن أطاع الله ورسوله فيما يسهل عليه، وعصاهما فيما يشق عليه فلا بعد مذعنا للأمر والنهي، لأنه
حكم الله ودينه، وهو لا يتجزأ، ومن لم يكن مذعنا لا يكون مؤمنا (أفتأمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؛ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة بردون إلى أشد العذاب)).
وقد بايع المؤمنون الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الكبرى على السمع والطاعة في المنشط والمكرة.
وفي قوله تعالى (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم) تحريض لهولاء المنافقين على التخلص من هذا النفاق الذي يقف لهم بالمرصاد على طريق الوصول إلى الله بما يقدمون من أعمال .. فالمفروض في كل من يعمل عملا أن يجني ثمرته، وهؤلاء المنافقون يعملون أعمالا كان من شأنها أن تثمر ثمرا طيبا، ولكن هناك آفة خطيرة تتسلط على هذه الأعمال تأنى عليها قبل أن تزهر أو تثمر، وهذه الآفة هي النفاق، فإذا كان بالمنافقين حاجة إلى أعمالهم تلك، وإلى الثمرة المرجوة منها فعليهم أن يحاربوا هذا النفاق الذي يمنعهم أن ينالوا أمرا مما بعملون، وما يستنبط من الآية سيأتي إن شاء الله بعد قليل آخر الفصل
414