
ومنها: لو كان العبد خالقا لفعل نفسه لكان عالما بتفاصيله، محيطا بالسكنات المتخللة للحركة البطيئة، عارفا بأحيازها، عالما بحسن فعله وقبحه؛ لأن العلم شرط الخلق، أو لازم له، ألا ترى قوله عز وجل: (ألا يعلم من خلق)، ولو لم يكن العلم شرطا للخلق، أو لازما له لما صح ذلك؛ كما لا يصح أن يقال: ألا يعلم من تحرك، أو سكن، أو أكل، أو شرب، لكنه صح؛ كما يصح() أن يقال: ألا يأكل من شبع، وألا يشرب من روي.
وأيضا: لو لم يكن العلم من لوازم الخالقية لبطلت دلالة إتقان المصنوعات، وإحكام الموجودات على علم خالقها، والخصم يساعدنا في أن الإتقان والإحكام دليل عالمية الذات.
لكن العبد غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه، وبيانه من وجوه:
الأول: أن النائم والمغشي عليه قد ينقلب من أحد جنبيه إلى الجنب الآخر، مع أنه يس له علم بكمية تلك الأفعال ولا بكيفيتها.
الثاني: أن أكثر المتكلمين على إثبات الجوهر الفرد، فيكون عندهم التفاوت بين الحركات في البطء والسرعة لأجل تخلل السكنات؛ كما سبق تقريره في مسألة الجوهر الفرد.
إذا ثبت ذلك فنقول: النملة إذا تحركت حركة بطيئة؛ فذاك لأنها تحركت في بعض الأحياز، وسكنت في بعضها، ومعلوم أنه ليس للنملة علم بكيفية عدد تلك الأحياز، وليس عندها خبر من أنها سكنت ههنا وتحركت هناك، بل الحال في الآدمي - الذي هو أعقل الخلق - كذلك، فإنه إذا مشى فلا شك أن مشيه أبطأ من حركة الفلك، فذاك لأنه سكن في بعض الأحياز وتحرك في بعضها، وهذا الذي هو أعقل الخلق لو أراد أن يعرف أنه أين سكن، وأين تحرك، لم يعرف، فعلمنا أن العبد غير عالم بتفاصيل أحوال فعله.