 لكن لا يلزم من هذا القدر صحة مطلوبكم؛ وذلك لأن مقدار الفلك المعين حال في هيولى لا مقدار لها في حد ذاتها، مع أن توارد المقادير المختلفة على الفلك ممتنع، فكذا ههنا.
الوجه الثاني: قالوا: الماء إذا سخن في الآنية المسدودة الرأس فإنها تنشق، وما ذاك إلا أن مقدار الماء الذي كان في داخل الآنية ازداد، فانشقت الآنية.
وللمتكلم أن يقول: لا نسلم أن السبب ما ذكرتم، ولم لا يجوز أن يكون السبب فيه شيئا من آخر مجهولا عندنا وعندكم؟، أو يقول: لم لا يجوز أن تكون اجزاء النارية والهوائية نفذت في جرم الماء، فازداد جرم الماء لهذا السبب؛ فلهذا المعنى انشقت الآنية، أو يقول: لم لا يجوز أن تكون الأجزاء المائية لما سخنت تصاعدت، وذهب كل جزء منها إلى جانب آخر، فلما قوي هذا المعنى عرض انشقاق الآنية.
ثم يستدل على فساد مذهبهم بوجوه:
أحدها: أنا بينا أنه يمتنع أن يكون المقدار حالا في محل، بل هو جوهر قائم بنفسه، فزواله يكون فناء لذلك الجسم المخصوص.
الثاني: أن الآنية إذا كانت ضيقة الراس، ثم مصصناها وبالغنا في المص فإنها ربما انكسرت إلى داخل، ومذهبكم أنها إنما انكسرت؛ لأن بالمص خرج بعض ما كان فيها من الهواء، إلى أن صار بحيث لو خرجت البقية لزم الخلاء، ولو كان التخلخل على الوجه الذي ذكرتم ممكنا لوجب أن لا تنكسر القارورة البتة؛ لأنا إذا مصصنا بعض ما كان فيها من الهواء فالقدر الباقي ينبسط، ويصير داخل القارورة بذلك المنبسط مملوةا، فإذا مصصنا مرة أخرى بعض ذلك المنبسط صارت البقية منبسطة مرة اخرى، وعلى هذا التقدير لا يلزم