تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما خورشيد باشا فبقي منحازا في القلعة إلى أن جاءه مندوب مخصوص من الآستانة يأمره بأن ينزل عن منصب الولاية لمحمد علي ويتوجه إلى الإسكندرية، فلما علم محمد بيك الألفي بتولية محمد علي باشا على الديار المصرية اغتم كثيرا، وتعاهد مع دولة الإنكليز على أن تساعده على خلع محمد علي، وأن يتولى مكانه على الديار المصرية وهو يسلم إليها السواحل المصرية، فاجتهد سفير إنكلترا بالآستانة في هذا الأمر، وضمن للدولة العلية مبلغ العوائد المرتبة لها على الديار المصرية بشرط إعادة طائفة المماليك بها كما كانوا تحت رئاسة محمد بيك الألفي، فأجابت الدولة العلية هذا الطلب، وأرسلت إلى مصر سنة 1221ه أسطولا وفيه موسى باشا والي سلانيك؛ ليتولى على مصر بدل محمد علي باشا، ويسافر محمد علي إلى سلانيك ليكون واليا عليها بدلا عنه، فأظهر محمد علي الامتثال لهذا الأمر، ولكن المشايخ والعلماء كتبوا محضرا إلى السلطان يعددون فيه أوجه تضرراتهم من دولة المماليك ويتلمسون به إبقاء محمد علي باشا واليا عليهم، وكانت في أثناء ذلك الوقائع جارية بين محمد علي باشا والمماليك بجهتي البحيرة والصعيد؛ فإن محمد بيك الألفي كان معسكرا بالبحيرة؛ ليتمكن من المخابرة مع سفير إنكلترا بسكندرية، وأما عثمان بيك البرديسي وإبراهيم بيك فكانا مقيمين بالصعيد، وقد أرسل قبودان باشا الأسطول العثماني يطلب من الألفي مبلغ الألف وخمسمائة كيس التي وعد بأدائها للخزينة السلطانية، فأجابه الألفي بأن طائفة المماليك ما دامت متركبة من ثلاث فرق فهو مستعد لأداء ما يخص فرقته من ذلك إذا كانت الفرقتان الأخريان تؤديان ما يخصهما، ولما بلغ عثمان البرديسي ما قاله الألفي أجاب بأن الألفي؛ لداعي كونه الرئيس الأكبر لجميع طائفة المماليك، يقتضي أن يكون هو الملزم دون غيره بدفع المبلغ المطلوب، فلما بلغ قبودان باشا خبر جوابهما تحقق الخلاف الواقع بينهما، فاستشاط غضبا وانعطف نحو محمد علي باشا وألقى سمعه لنصيحة قنصل فرنسا الذي كان يعضد محمد علي باشا، واجتهد أيضا سفير فرنسا بالقسطنطينية في تفهيم الباب العالي بحقيقة الحال، فصدرت الأوامر إلى القبودان باشا بتفويض إليه إجراء ما يقتضي مع مراعاة المصلحة السلطانية، فدخل القبودان باشا حينئذ في باب المكالمة مع محمد علي باشا، واستقر الحال بينهما على أن يصدر إلى محمد علي باشا فرمان جديد بتقريره في ولاية مصر، بشرط أن يدفع لخزينة الدولة مقدمة مبلغ أربعة آلاف كيس، وعلى ذلك سافر القبودان باشا من الإسكندرية، وبعد شهر من تاريخ سفره ورد لمحمد علي باشا فرمان التقليد الجديد سنة 1221ه، فتمكنت شوكته وصفا له الوقت؛ سيما بموت عثمان بيك البرديسي ومحمد بيك الألفي في وقت متقارب في السنة المذكورة.

إلا أن دولة إنكلترا لما رأت هبوط مسعاها لدى الدولة العلية ونفوذ دولة فرنسا لا زالت مصممة على تعضيد المماليك، فأرسلت إلى مصر سنة 1222ه أسطولا إنجليزيا فاستولى على الإسكندرية، وخرجت فرقة من الإنكليز للتملك على رشيد فانهزموا شر هزيمة، ثم مزقت جيوشهم أيضا عساكر الأرناءوط كل ممزق، فالتزموا بعقد الصلح مع محمد علي باشا، وسافروا إلى بلادهم.

ولما أجبر محمد علي باشا الإنجليز على الإقلاع من الديار المصرية التفت إلى إصلاح الأحوال الداخلية، وكان إذ ذاك قد استفحل أمر العرب الوهابية بالأقطار الحجازية، فاستولوا على الحرمين الشريفين، وقطعوا الطريق على الحجاج والمسافرين، فصدرت إليه الأوامر السلطانية بتوجيه تجريدة لمحاربتهم وتخليص مكة والمدينة من أيديهم، فاهتم محمد علي باشا بالأمر، واجتهد في إنشاء عمارة مصرية بالسويس لتحمل عساكره إلى الأقطار الحجازية، ولكنه خشي بأس المماليك وخاف شرهم بعد سفر العسكر الأرناءوط من القاهرة، فاجتهد في قطع دابرهم أولا وإهلاكهم عن آخرهم؛ ولأجل إتمام هذا الغرض دعاهم سنة 1226ه إلى قلعة الجبل لحضور تقليد ولده طوسون باشا بقيادة جيش الحجاز وعقد موكبا لهذا القصد، فلما اجتمعت جميع المماليك بالقلعة بدت إشارة فأغلقت عليهم أبوابها وضربت عليهم عساكر الأرناءوط بالبنادق من أبراج القلعة وكانوا كامنين لهم فيها، فقتلوهم عن آخرهم، ثم سافر طوسون باشا بتلك الحملة إلى ينبع، واستخلص المدينة ومكة من الوهابيين، ولكن رئيسهم سعود حضر بنفسه وحاصر المدينة، فأرسل طوسون باشا إلى أبيه فحضر محمد علي باشا بنفسه إلى الأقطار الحجازية، وعزل الشريف غالب عن ولاية الحرمين الشريفين وولى غيره، وصادف أن مات الأمير سعود، وتولى على الوهابيين ابنه عبد الله، وما كان في الكفاءة والفضل مثل أبيه، فانهزم الوهابيون في عدة وقائع، وكاد أن يفتح محمد علي باشا جميع الأقطار الحجازية، لولا أنه التزم بالعود إلى مصر سريعا لأمور مهمة؛ وذلك أنه لما فتح المدينة بجنوده كان قد أرسل الخبر بذلك إلى إسلامبول على يد رجل يدعى لطيف باشا كان متقلدا بوظيفة خزندار، فسعى هذا الرجل عند أرباب الدولة بالإيقاع بمحمد علي باشا وتعهد بقلعه عن منصبه إذا كانت الدولة تساعده، فصغت الدولة إلى طعنه وأرسلته إلى مصر وبيده خط شريف بتقليده ولايتها، فلما حضر إلى مصر أظهر هذا الفرمان وقت تغيب محمد علي باشا في الأقطار الحجازية، ولكنه قبض عليه في الحال وقتله محمد لاظوغلي كتخدا محمد علي باشا، وكان نائبا عنه في ولاية الأمر بمصر في مدة تغيبه، وكانت الدولة العثمانية أرسلت إلى الإسكندرية في ذاك الوقت أيضا أسطولا عثمانيا لتأييد سلطتها على مصر؛ فهذا الذي أوجب عود محمد علي باشا سريعا من جزيرة العرب، فلما حضر إلى مصر أخذ في تشييد الثغور المصرية وتجهيز المعدات الحربية، وأراد أن يؤسس عساكره على النظام الجديد نظام جند أوروبا، فعارضه في ذلك العساكر بالقاهرة، ولا سيما الأرناءوط، حتى آلت المعارضة إلى ثورة في القاهرة شاع خبرها في الحجاز مع المبالغة.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلامية · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

النفحة الزكية في تاريخ مصر وأخبار الدولة الإسلاميةص ٣٦