ثم بعد ذلك بمدة قليلة وثب رجل اسمه سليمان الحلبي على الجنرال كلابر وطعنه بخنجر في صدره فمات، فصارت رئاسة الجيش للجنرال مينو، فلما وجد هذا الجنرال نفسه مجبورا على أن يقاوم في آن واحد جيش الصدر الأعظم الآتي من الشام وجيش الإنجليز الذي نزل بشاطئ أبي قير وجيشا آخر أتى من الهند، وسار من القصير إلى قنا، التزم بأن يعقد معاهدة الانجلاء عن مصر، فانجلى عنها سنة 1216ه وحمل الجيش الفرنساوي بكافة مهماته الحربية من أسلحة وذخائر إلى فرنسا على مراكب إنجليزية، وبعد انسحاب الجيش الفرنساوي انسحب الجيش الإنجليزي، وبقي في مصر يوسف باشا بالجيش العثماني، فطلب قبل سفره أيضا من الباب العالي تولية خسرو باشا على مصر، فتولى هذا عليها ولكنه لم يقو على مقاومة المماليك أيضا، وكانوا تحت رئاسة عثمان بيك البرديسي ومحمد بيك الألفي، فالتزم بالخروج من القاهرة وتولى عوضا عنه بصفة قائمقام مؤقتا بإقرار من القضاة وأرباب الديوان بمصر طاهر باشا، فلاقى من المماليك أيضا ما لاقاه سلفه، واشتد الخصام في أيام حتى انتهى بقطع رأسه، فأصبحت مصر بغير وال يدير أعمالها فسنحت الفرص حينئذ للرجل العظيم المغفور له محمد علي باشا رأس العائلة الخديوية بإظهار فضائله وما اختص به من البسالة والإقدام.
المطلب الثاني
في ذكر العائلة الخديوية
رأس هذه العائلة هو الرجل الهمام محمد علي باشا، وقد ولد هذا الشهم بمدينة قولة من أعمال الروملي سنة 1182ه، من أب يدعى إبراهيم أغا، كان من ضباط تلك المدينة، فتوفي أبوه وهو في الرابعة من عمره، ثم عمه بعد أبيه بمدة يسيرة، فكفله حاكم مدينة براوسطا أحد أصدقاء والده، ورباه على استعمال السلاح، وزوجه وهو في سن الثامنة عشرة بإحدى قريباته، وكانت ذات يسار، فكان ذلك مبدأ ثروته، فاشتغل بالتجارة بالاشتراك مع تاجر فرنساوي من قولة، ونجح في أعماله؛ خصوصا في تجارة الدخان الذي كان أعظم محصولات بلدته، ثم لما جردت الدولة العثمانية إلى مصر التجريدة التي أرسلتها لمحاربة الفرنساويين بها كان من ضمن تلك التجريدة ثلاثمائة رجل صار جمعهم من مدينة قولة، فأرسلوا إلى مصر تحت قيادة علي أغا ابن والي قولة برفقة العمارة العثمانية، وكان من جملتهم محمد علي بوظيفة وكيل على هذه الطائفة العسكرية، فقدم مصر سنة 1214ه، وحضر موقعة أبي قير التي هزم فيها جيش الترك تحت رئاسة مصطفى باشا، فبعد هذه الكسرة عاد علي أغا إلى بلاده بعد أن عهد قيادة فرقته إلى محمد علي، فارتقى هذا إلى رتبة البكباشي، ثم دخل في خدمة خسرو باشا حين تقلد ولاية مصر من لدن الدولة العثمانية، ولم يزل يتقدم بسبب كفاءته إلى أن ارتقى إلى رتبة أمير اللواء، فظهر حينئذ في ميدان الظهور.
وكانت الدولة العلية قد أصدرت أوامرها إلى خسرو باشا بإبادة من بقي من المماليك بمصر وقطع دابرهم على قدر الإمكان، فجرد تجريدة وجهها على كل من رئيسيها الأصليين عثمان بيك البرديسي ومحمد بيك الألفي، فانهزمت هذه التجريدة عند دمنهور شر هزيمة، وكان انهزامها قبل وصول محمد علي ورجاله إلى الموقعة، فاتهمه قائد الحملة ونسب كسرها إلى تأخيره، وشكاه إلى خسرو باشا، فانتهز الباشا فرصة هذه التهمة، وأراد أن يفتك به لما شاهده من ازدياد نفوذه، ولكنه اتفق في ذلك الوقت قيام العسكر لتأخر صرف جماكيهم، فعمدوا إلى الثورة والهيجان، وتمكنوا من أخذ القلعة بالقوة وجبروا الوالي على الفرار منها، فتقلد ولاية مصر مكانه طاهر باشا رئيس العسكر المتمردة، ولكنه لم يمكنه أن يفي للعسكر بمطلوباتهم أكثر من خسرو باشا، فقتلوه في داخل قصره، فطلب الينكشارية تولية أحمد باشا، فلم يرغب محمد علي بذلك، وكان قد ملك القلعة ومعه رجاله الأرناءوط، فكاتب عثمان بيك البرديسي وإبراهيم بيك من رؤساء المماليك، واتحد معهما على إخراج أحمد باشا من المدينة، فأرسلوا له بالخروج منها، فلم يسعه إلا امتثال الأمر، ثم اتفق محمد علي مع عثمان بيك البرديسي على محاربة خسرو باشا، فحصره البرديسي بدمياط وأسره هناك وأتى به إلى القاهرة وسلمه لإبراهيم بيك سنة 1218ه، ولما بلغ هذا الخبر مسامع الدولة أرسلت إلى مصر علي باشا الجزايرلي ليجلس مكان خسرو باشا ويقتص من الجانين، ولكن سوء تدبيره أوقعه في أيدي المماليك فقتلوه، وفي خلال تلك المدة كان عود محمد بيك الألفي من إنكلترا، حيث كان استصحبه معه جيش الإنكليز عند خروجه من مصر أملا في تنقيص قوة البرديسي، فاجتهد محمد علي في إيجاد الشقاق بين الألفي والبرديسي ووقوع الحرب بينهما، ففر الألفي إلى الصعيد، ثم التزم البرديسي أيضا بالخروج من القاهرة لقيام العسكر والأهالي عليه، فصارت جميع السلطة لمحمد علي، واتحدت معه جميع القوة العسكرية والملكية، فأراد أن يعيد خسرو باشا لولاية مصر، فأبى الأرناءوط وذهبوا به إلى رشيد، ومنها سافر إلى القسطنطينية، فجمع محمد علي المشايخ والعلماء وتشاور معهم في تولية خورشيد باشا والي الإسكندرية ولاية مصر، فوافقوه على ذلك ، وطلبوا أن يكون هو كتخدا له؛ أي بصفة قائمقام، وكتبوا إلى الباب العالي بذلك فأقر عليه، وذلك سنة 1218ه، فاستقدم خورشيد باشا فرقة من العساكر الدالتلية أو الدلاة (نوع من الجنود الأجرية) خوفا من الأرناءوط، فأكثر هؤلاء من النهب والسلب في المدينة ولم يرجعهم خورشيد باشا، فسئمت نفوس الأهالي، فقاموا على خورشيد باشا وعزلوه، وطلبوا تولية محمد علي مكانه فامتنع أولا ثم رضي، فكتب المشايخ والعلماء بذلك إلى الباب العالي، فصدرت الإرادة السنية بفرمان يأذن له بتولية الديار المصرية سنة 1220ه.