تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ، فأما أنا فلا أقول أبدا عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.

93

وأما ما ذكره من فساد الناس فأحلف ما حلم الأديم، وإن ذلك لداء قديم، النمرة بنت النمرة، والقتادة أخت السمرة، وهو أدام الله تأييده من الملامة، في أحصن لامة، فلا يبعثه تعذر الحاجة، على اللجاجة. أهو الكتاب المكنون، الذي لا يمسه إلا المطهرون! إنما هو أبا طيل إياة، وتعلل في أيام الحياة،

وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .

94

فأما سيدي الشيخ أبو عمر ثابت فإن اسمه وافق آية، بلغت بفألها النهاية، وهي قوله جل اسمه:

كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وأنا والجماعة نهدي إلى سيدي الشيخ وإلى جميع أصدقائه سلاما تأرج الكتب بحمله، وتروض المجدبة من سيله، وحسبي الله.

وكتب إلى صديق له سأله أن ينقصه في ترتيب المكاتبة:

كتابي أطال الله بقاء الرئيس الفاضل بلا استثناء، والمشتمل بحلة الثناء، من المستقر المأنوس، بحسن ذكره، المأهول بحملة شكره، عن قلب يعوم في ولائه عوم الحجاة في الغدير، والقطرة في حوض الصبير، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على خيرته المنتخبين، وشوقي إلى حضرته السعيدة كرحيق إذا عتق جاد، وراوي أثر كلما قدم ساد؛ شوق لا تحسنه باكية هديل، ولا نامية إلى جديل.

95

وكان كتابه لما ورد كطائر بشارة وقع، وماء سرارة فوجئ فنقع، والإطناب في صفة ما عرفت حقيقته خلق مجتنب، وترك البيان لما ظهر أجدر وأوجب، وفضضته عن عتائر اللطيمة، ومقاطر الأطيمة، وعظمت نعمة الله جل اسمه علي لما ذكره من أن السلامة عليه جلباب، والنعمة له منزل وجناب. لأني جعلته أدام الله عزه الجنة الواقية، والعدة الباقية، وإذا تضوع لمكارمه أرج، واتصل من أغصان مناقبه حرج. أظهرت المرح، وأضمرت القرح، كالأمة تفخر بحدج ربتها، والمعزبة بنعم أهل بيتها،

96

وقد علمت أن تأخير الجواب، إنما كان لإلحاق حس الشر بأسه، ورد غائلة الغلط على نفسه، لأني كتبت بعدما حلم الأديم، وبلي الرديم، وأبطأ الغروب، أملؤها من شفاء المكروب، والعشار الهجان، أثقل ما زجره الفتيان، وقد أيقنت أن رسل نصيحته ليس بسمار، وأن صواب رأيه عن غير ائتمار، ولم أكتب في أمر أبي فلان إلا متشكرا، ثم ثنيت باسترفاد المعونة مذكرا. إذ كان أدام الله عزه لا يشير لسائله إلى الأفد البعيد، ولا يضرب لراجيه رءوس المواعيد:

أرخ يديك واسترخ

إن الزناد من مرخ

فأما تداركه ما جرى من الوهم، فإذا أعطيت القوس باريها، والخيل فوارسها، والقناة مصرفها، دحضت قدم الباطل بثبات الحق، وزالت حنادس المين بإشراق شموس الصدق، وما استند أبو فلان إلا إلى هضب متالع، واعتصم بغرز جواد غير ظالع، ما هز نابيا، ولا أرسل إلى الغاية كابيا، ولولا عنايته لاعتمد على اليرمع بكفيه، واتبع اليلمع بناظريه، ولقي أم الربيق على أريق.

97

ولو لم يتعب سيدي أنامله بالمكاتبة، وقلمه في الإجابة، لكانت دلائل صنائعه ناطقة، ومخايل إحسانه مخبرة صادقة. يريك بشر، ما أحار مشفر، كفى بضيائها هاديا، وبنشرها مناديا، وأما تجميله أمر الجماعة بحضرة الرئيس أبي فلان فنعمة وليت نعما، وكرم أردف كرما؛ وتلك حضرة يألفها الخير إلف الإبل السعدان، والمحار العدان، والجماعة أولياء فضلها، وغراس أهلها.

98

وأما الفصل في ترتيب الخطاب، فلا غرو لمن نزل إلى درجات، أن أرتفع إليه درجة، ولمن سلك نحوي المشبهات، أن أسلك نحوه المحجة؛ وذاك فعل مدل، وجهد مقل. فأنا حينئذ كمن قام ليتلقى الغمام، شوقا إلى عذب ماء، قطع إليه ما بين الأرض والسماء. وقد والله العظيم أردت سؤاله في الرجوع إلى مرتبته في المكاتبة، وإجرائي على مقداري في المناجاة والمحاورة، فخشيت أن يسبق إلي ظن أنا منه بري، وبسواه جدير حري، وكان التأخر عن ذلك زلة، والترك لتنجزه غفلة؛ لأنه كلفني إقلاق ثبير، ولحاق البدر المنير، فما بال العلاوة بين الفودين، والبنانة بعد اليدين. لا معتبة إن جازيت ببكي الفطر، عن زكي القطر؛ هو بدأني بما لا أستحق، فأجبت بما أوذمه علي الرق، ولم أكن كعاقر الرمل، أمطر فلا أروض، وكحفير الميت أعوض ولا أعوض. لا أقل من كوني مثل وذيلة الغريبة، وزلفة المضر الأريبة، يطلع فيها ذو الوجه الجميل، فتجتهد له في التمثيل، ولابتدائه على مكافأتي شف الطلعة البهية، على صورتها في المرآة الجلية. فإذا راع في لفظه إلى اليفاع وعدل في الكلام فاعتدل، آض وليه فلزم الانخفاض، وفاء فأخذ اللفاء.

فحول البلاغة · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فحول البلاغةص ٥٨