وقوله : ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ ترق في موجب التوبيخ ، أي لم يكفكم أنكم آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان ، وفصلها عما قبلها لأنها تعداد للتوبيخ .
والمكر تقدم عند قوله تعالى : ﴿ ومكروا ومكر الله في سورة آل عمران ( 54 ) ، وتقدم آنفا عند قوله تعالى : أفأمنوا مكر الله ﴾ ( الأعراف : 99 ) .
والضمير المنصوب في ﴿ مكرتموه ﴾ ضمير المصدر المؤكد لفعله .
و ﴿ في ﴾ ظرفية مجازية : جعل مكرهم كأنه موضوع في المدينة كما يوضع العنصر المفسد ، أي : أردتم إضرار أهلها ، وليست ظرفية حقيقية لأنها لا جدوى لها إذ معلوم لكل أحد أن مكرهم وقع في تلك المدينة ، وفسره في ( الكشاف ) بأنهم دبروه في المدينة حين كانوا بها قبل الحضور إلى الصحراء التي وقعت فيها المحاورة ، وقد تبين أن المراد بالظرفية ما ذكرناه بالتعليل الذي بعدها في قوله : ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ والمراد هنا بعض أهلها ، وهم بنو إسرائيل ، لأن موسى جاء طلبا لإخراج بني إسرائيل كما تقدم .
وقول فرعون هذا يحتمل أنه قاله موافقا لظنه على سبيل التهمة لهم لأنه لم يكن له علم بدقائق علم السحر حتى يفرق بينه وبين المعجزة الخارقة للعادة ، فظن أنها مكيدة دبرها موسى مع السحرة ، وأنه لكونه أعلمهم أو معلمهم أمرهم فاتمروا بأمره ، كما في الآية الأخرى ﴿ إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ﴾ ( طه : 71 ) .
ويحتمل أنه قاله تمويها وبهتانا ليصرف الناس عن اتباع السحرة ، وعن التأثر بغلبة موسى إياهم فيدخل عليهم شكا في دلالة الغلبة واعتراف السحرة بها ، وأن ذلك مواطاة بين الغالب والمغلوب لغاية مقصودة ، وهو موافق في قوله هذا ، لما كان أشار به .
الملأ من قومه حين قالوا : ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ ( الشعراء : 35 ) وأيا ما كان فعزمه على تعذيبهم مصير إلى الظلم والغشم لأنه ما كان يحق له أن يأخذهم بالتهمة ، بله أن يعاقبهم على المصير إلى الحجة ، ولكنه لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت .
وفرع على الإنكار والتوبيخ الوعيد بقوله : ﴿ فسوف تعلمون ﴾ ، وحذف مفعول ﴿ تعلمون ﴾ لقصد الإجمال في الوعيد لإدخال الرعب ، ثم بينه بجملة ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ . ووقوع الجمع معرفا بالإضافة يكسبه العموم فيعم