وجملة : ﴿ قالوا ﴾ بدل اشتمال من جملة : ﴿ ألقي السحرة ﴾ لأن الهوي للسجود اشتمل على ذلك القول ، وهم قصدوا من قولهم ذلك الإعلان بإيمانهم بالله لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون ، إذ كانت عادة القبط السجود لفرعون ، ولذلك وصفوا الله بأنه رب العالمين بالعنوان الذي دعا به موسى عليه السلام ، ولعلهم لم يكونوا يعرفون اسما علما لله تعالى ، إذ لم يكن لله اسم عندهم ، وقد علم بذلك أنهم كفروا بالإهية فرعون .
وزادوا هذا القصد بيانا بالإبدال من ﴿ رب العالمين ﴾ قولهم ﴿ رب موسى وهارون ﴾ لئلا يتوهم المبالغة في وصف فرعون بأنه رب جميع العالمين ، وتعين في تعريف البدل طريق تعريف الإضافة لأنها أخصر طريق ، وأوضحه هنا ، لاسيما إذا لم يكونوا يعرفون اسما علما على الذات العلية . وهذا ما يقتضيه تعليم الله اسمه لموسى حين كلمه فقال : ﴿ إنني أنا الله ﴾ في سورة طه ( 14 ) . وفي سفر الخروج ﴿ وقال الله لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل ( يهوه ) إلاه آبائكم ﴾ الخ الإصحاح الثالث .
وفصلت جملة : ﴿ قال فرعون ﴾ لوقوعها في طريق المحاورة .
وقوله : ﴿ أآمنتم ﴾ قرأه الجمهور بصيغة الاستفهام بهمزتين فمنهم من حققها ، وهم : حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وروح عن يعقوب ، وخلف ، ومنهم من سهل الثانية مدة ، فصار بعد الهمزة الأولى مدتان ، وهؤلاء هم : نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وقرأه حفص عن عاصم بهمزة واحدة فيجوز أن يكون إخبارا ، ويجوز أن تكون همزة الاستفهام محذوفة وما ذلك ببدع .
والاستفهام للإنكار والتهديد مجازا مرسلا مركبا ، والإخبار مستعمل كذلك أيضا لظهور أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين صرحوا بذلك وعلموه ، والضمير المجرور بالباء عائد إلى موسى ، أي : آمنتم بما قاله ، أو إلى رب موسى .
وجملة : ﴿ إن هذا لمكر ﴾ الخ . . . خبر مراد به لازم الفائدة أي : قد علمت مرادكم لأن المخاطب لا يخبر بشيء صدر منه ، كقول عنترة :
إن كنتت أزمعتت الفراق فإنما
زمت ركابكم بليل مظلم
أي : إن كنت أخفيتت عني عزمك على الفراق فقد علمت أنكم شددتم رحالكم بليل لترحلوا خفية .