تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لحكمة إلهية تزيد المعجزة ظهورا ، ولأن في تقديمه إياهم إبلاغا في إقامة الحجة عليهم ، ولعل الله ألقى في نفسه ذلك ، وفي هذا دليل على جواز الابتداء بتقرير الشبهة للذي يثق بأنه سيدفعها .

وقوله ﴿ فلما ألقوا ﴾ عطف على محذوف للإيجاز ، والتقدير : فألقوا . لأن قوله : ﴿ فلما ألقوا ﴾ يؤذن بهذا المحذوف ، وحذف مفعول ﴿ ألقوا ﴾ لظهوره ، أي : ألقوا آلات سحرهم .

ومعنى ﴿ سحروا أعين الناس ﴾ : جعلوها متأثرة بالسحر بما ألقوا من التخييلات والشعوذة .

وتعدية فعل ﴿ سحروا ﴾ إلى ﴿ أعين ﴾ مجاز عقلي لأن الأعين آلة إيصال التخييلات إلى الإدراك ، وهم إنما سحروا العقول ، ولذلك لو قيل : سحروا الناس لأفاد ذلك ، ولكن تفوت نكتة التنبيه على أن السحر إنما هو تخيلات مرئية ، ومثل هذه الزيادة زيادة الأعين في قول الأعشى :

كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا

وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق

أي إذا ما الناس تفرق فرقا يحصل من رؤية الأخطار المخيفة .

والاسترهاب : طلب الرهب أي الخوف . وذلك أنهم عززوا تخيلات السحر بأمور أخرى تثير خوف الناظرين ، لتزداد تمكن التخيلات من قلوبهم ، وتلك الأمور أقوال وأفعال توهم أن سيقع شيء مخيف كأن يقولوا للناس : خذوا حذركم وحاذروا ، ولا تقتربوا ، وسيقع شيء عظيم ، وسيحضر كبير السحرة ، ونحو ذلك من التمويهات ، والخزعبلات ، والصياح ، والتعجيب .

ولك أن تجعل السين والتاء في ﴿ واسترهبوهم ﴾ للتأكيد ، أي : أرهبوهم رهبا شديدا ، كما يقال استكبر واستجاب .

وقد بينت في تفسير قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر من سورة البقرة ( 102 ) أن مبنى السحر على التخييل والتخويف .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٤٨