تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا قريب من قوله تعالى : ﴿ فأرسلنا فيهم رسولا منهم في سورة المؤمنين ( 32 ) ، قال في الكشاف ﴾ هنالك : ( لم يعد الفعل بقي مثل ما يعدى بإلى ، ولكن الأمة جعلت موضعا للإرسال كما قال رؤبة :

أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام

وقد جاء ( بعث ) على ذلك في قوله : ﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ﴾ ( الفرقان : 51 ) ، وقد تقدم آنفا قريب منه عند قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي ﴾ ( الأعراف : 94 ) .

والمدائن : جمع مدينة ، وهي بوزن فعيلة ، مشتقة من مدن بالمكان إذا أقام ولعل ( مدن ) هو المشتق من المدينة لا العكس ، وأيا ما كان فالأظهر أن ميم مدينة أصلية ولذلك جمعت على مدائن بالهمزة كما قالوا ( صحائف ) جمع صحيفة . ولو كانت مفعلة من دانه لقالوا في الجمع مداين بالياء مثل معايش .

ومداين مصر في ذلك الزمن كثيرة وسنذكر بعضها عند قوله تعالى : { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين في سورة الشعراء ( 53 ) . قيل أرادوا مدائن الصعيد وكانت مقر العلماء بالسحر . والحاشرون الذين يحشرون الناس ويجمعونهم .

والشأن أن يكون ملأ فرعون عقلاء أهل سياسة ، فعلموا أن أمر دعوة موسى لا يكاد يخفى . وأن فرعون إن سجنه أو عاند ، تحقق الناس أن حجة موسى غلبت ، فصار ذلك ذريعة للشك في دين فرعون ، فرأوا أن يلاينوا موسى ، وطمعوا أن يوجد في سحرة مصر من يدافع آيات موسى ، فتكون الحجة عليه ظاهرة للناس .

وجزم يأتوك } على جواب الأمر للدلالة على شدة اتصال السببية بين الإرسال والإتيان ، فالتقدير : إن ترسل يأتوك ، وقد قيل : في مثله إنه مجزوم بلام الأمر محذوفة ، على أن الجملة بدل من ﴿ أرسل ﴾ بدل اشتمال . أي : أرسلهم آمرا لهم فليأتوك بكل ساحر عليم ، وهذا الاستعمال كثير في كلام العرب مع فعل القول نحو :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٤٤